فلسفة القوامة في الظلال الإسلامية: ميزان العدل ومسؤولية الرعاية لا سلطة الاستبداد

تعد قضية “القوامة” من أكثر القضايا الفكرية والاجتماعية التي تُثار في الساحة المعاصرة، حيث تتجاذبها تيارات فكرية متعددة ما بين مؤيد لمفهومها الشرعي، وبين منادٍ بإسقاطها بدعوى المساواة المطلقة. إن فهم القوامة يتطلب غوصاً في أعماق المقاصد الشرعية التي أرادت بناء أسرة متماسكة تقوم على التكامل لا التضاد، وعلى المودة لا الندية. فالقوامة في جوهرها ليست صكاً للتسلط، بل هي نظام إداري ووقائي يضمن استقرار السفينة الأسرية وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

القوامة في مواجهة تحديات العصر والندية المادية

يعيش العالم اليوم تحولات جذرية أفرزت واقعاً جديداً للمرأة؛ حيث فُتحت أمامها آفاق الاستقلال المادي والمعنوي، من خلال العمل والتعليم والتمكين التقني. ومع وجود الحاسوب والهاتف والذمة المالية المستقلة، نشأت حالة من “الندية” التي يروج لها الفكر الغربي، مما أدى في كثير من الأحيان إلى برود عاطفي تجاه الزوج. فحين تشعر المرأة بأنها في غنى مادي ومعنوي تام عن الرجل، قد يضعف لديها دافع التودد أو الصبر على مشكلات الحياة الزوجية، مما يولد لدى الرجل شعوراً بالحنق وفقدان الميزة، فتتحول العلاقة من سكن ومودة إلى صراع لإثبات الذات.

إن هذا التوسع في عالم المرأة الخاص، إذا لم يُضبط بضوابط الشرع، قد يأتي على حساب تماسك الأسرة. والجمعيات التي تتبنى أجندات تغريبية تحاول جاهدة ربط القوامة بالإنفاق المادي فقط، زاعمة أنها تسقط بسقوط النفقة أو بمشاركة المرأة فيها. إلا أن فقهاء الشريعة يؤكدون أن القوامة ثابتة بنص القرآن الكريم، وهي تقوم على ركنين أساسيين ذكرهما الله تعالى في قوله: {بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ…}. فالشرط الأول يتعلق بالخصائص الفطرية والقدرات القيادية، والثاني يتعلق بالتكليف المالي، مما يجعل القوامة بناءً متكاملاً لا ينهدم بفقدان عارض لأحد أركانه.

القوامة: تكليفٌ ثقيل لا تشريفٌ فارغ

يؤكد العلماء، ومنهم الشيخ سلمان العودة، أن القَيِّم هو السيد الذي يسوس الأمر ويدبر الشؤون. وقوامة الرجل على زوجته تعني القيام على أمرها بالحفظ، والصيانة، والرعاية، والذود عنها، وتوفير احتياجاتها. بهذا المعنى، تصبح القوامة “تغريماً” للرجل لا “تشريفاً” له؛ فهي تحمّله مسؤولية قانونية وأخلاقية أمام الله أولاً ثم أمام المجتمع.

  • المسؤولية والتروي: توجب القوامة على الرجل أن يكون أبعد الناس عن التسرع، وأكثرهم تحلياً بالأناة والحكمة في اتخاذ القرار.
  • احترام الكيان: لا تعني القوامة أبداً مصادرة رأي المرأة أو تهميش شخصيتها، بل هي تكامل في الأدوار.
  • الإعداد الفطري: لقد خلق الله كلا الزوجين وهيأهما لوظائف محددة؛ فالمرأة جُبلت عاطفياً وجسدياً لتكون وعاءً للحمل والرضاعة والحضانة، وهي مهام جسيمة تتطلب تفرغاً نفسياً وعضوياً. وفي المقابل، كلف الله الرجل بتوفير الحماية والنفقة، ومنحه الخصائص التي تعينه على الكدح ومواجهة مصاعب الحياة الخارجية.
  • القوامة بين الإدارة الرشيدة ومخاطر الاستبداد

    يوضح الدكتور وهبة الزحيلي أن القوامة ليست سلطة استبدادية تمنح الرجل حق التصرف كـ “وحش ضاري”، بل هي أداة لتسهيل إدارة المؤسسة الأسرية. إن تطبيقها الخاطئ هو الذي شوه صورتها في الأذهان. فالقوامة الحقيقية مرتبطة بالورع والعدل والخشية من الله، وهي “غرم” لأنها تكلف الرجل جهداً مضاعفاً في الرعاية.

  • ثبات القوامة: حتى في حالات العجز المادي الجزئي أو الإعسار المفاجئ للرجل، تظل القوامة قائمة بناءً على شرط “التفضيل” الفطري والقيادي، فالرجل يظل هو المسؤول عن إدارة الدفة وحماية الكيان الأسري.
  • إكرام المرأة: الشريعة أوجبت على الرجل إكرام المرأة في كل مراحل حياتها؛ فأوجبت المهر كهدية وتكريم لا كتعويض، وألزمته بالنفقة بالمعروف، بل وشرعت “المتعة” كهدية للمطلقة لجبر خاطرها وتأمين مسكن لها، مما يثبت أن النظام الإسلامي يحمي المرأة ولا يظلمها.
  • القوامة ليست انتقاصاً بل توزيعاً إلهياً للأدوار

    ترى الدكتورة آمنة نصير أن القوامة ضرورة فطرية لأي جماعة بشرية، فلا بد لكل مؤسسة من قائد يوجهها. والقوامة في الأسرة هي توزيع للأدوار وليس تفضيلاً للذات على الذات. فالرجل هو الأجدر فطرياً بتحمل أعباء الرئاسة الأسرية، ولكن هذا لا يمنع من تبادل الفضل.

  • حالات استثنائية: قد تضطر المرأة لتولي دور القوامة في حالات خاصة كوفاة الزوج أو سفره الطويل أو غيابه لجهاد أو مرض، وهنا تُكرم المرأة بقيامها بهذا الدور العظيم، مما يدل على أن القوامة مرتبطة بالأداء والقدرة وليست مجرد امتياز جنسي.
  • نفي الصراع: الإسلام لا يرى الزوجين كخصمين يتناطحان، بل هما روحان متآلفان. الغرب والعلمانيون أخطأوا حين صوروا القوامة كمعركة للسيطرة، بينما هي في الحقيقة “خدمة” يقدمها الرجل لأسرته من خلال الكد والسعي والتعليم والحماية.
  • القوامة في الفكر الغربي والردود الشرعية

    تلفت الدكتورة فوزية العشماوي النظر إلى أن الهجوم الغربي على القوامة نبع من المطالبة بالمساواة الميكانيكية التي تلغي الفوارق الفطرية. لقد ادعى المستشرقون أن الإسلام يقر بسيادة الرجل وتسلطه، وهذا فهم مغلوط؛ فالقوامة تعني “الدرجة الأعلى في القيادة” كما في ربان السفينة، فوجود قائد لا يلغي وجود شركاء فاعلين. السفينة التي يقودها قائدان مصيرها الغرق، والأسرة التي تفتقد للرأس المدبر تضيع في مهب الريح.

    الارتباط الوثيق بين القوامة والإنفاق بالمعروف

    يؤكد الشيخ محمود عاشور أن الإنفاق هو الركيزة العملية للقوامة، فالرجل ملزم بالنفقة حتى لو كانت زوجته ثرية. ولا تسقط هذه المسؤولية بتعثر الرجل مادياً، بل عليه أن يسعى ويستدين ليوفر لأسرته احتياجاتها، لقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}.

  • التوازن الاقتصادي: يجب أن يكون الإنفاق معتدلاً، فلا يكلف الرجل ما لا يطيق، وعلى الزوجة مراعاة ظروف زوجها والابتعاد عن الإسراف في الكماليات.
  • آفة البخل: الزوج البخيل يسيء للقوامة ويخالف الفطرة والشرع. ورغم أن ماله سيؤول لأولاده في النهاية، إلا أن سلوكه مذموم بنص القرآن الذي حذر من كنز الأموال ومنع إنفاقها في وجوهها المشروعة.
  • ظواهر سلبية: حذرت الدكتورة آمنة نصير من ظاهرة بحث الشباب عن زوجات ثريات للاتكال عليهن مادياً، معتبرة ذلك تنازلاً طوعياً عن القوامة وعن “الرجولة” الحقيقية، وهو زواج محكوم عليه بالفشل لافتقاده للأسس الفطرية.
  • القوامة والشورى: المنهج النبوي في الإدارة

    توضح المفكرة هبة رؤوف أن لفظ “القوامة” ورد في القرآن الكريم في سياقات متعددة، فهو صفة للمؤمنين في القيام بالقسط والعدل. وفي الأسرة، تتكامل القوامة مع “الشورى”؛ فالبيت المسلم ليس مملكة استبدادية، بل هو مؤسسة شورية بامتياز.

  • الإدارة المشتركة: القوامة لا تعني الانفراد بالرأي، بل هي الكلمة الفصل عند النزاع. أما التفاصيل اليومية، فتدار بالتشاور والتراضي بين الزوجين والأبناء.
  • الدرجة الكسبية: الدرجة التي منحها الله للرجال ليست لنقص في ذات المرأة، بل لأن الرجل هو الأصلح للرئاسة من الناحية العملية والكسبية، وهو ما يقتضي تقديم “الأصلح” لإدارة الدفة، دون المساس بكرامة المرأة أو أهليتها الكاملة للتصرف.
  • المفهوم النفسي والتربوي للقوامة: مفهوم “الكبير”

    يشير الدكتور أحمد محمد عبد الله إلى أن القوامة ترتبط بما يكتسبه الرجل من أخلاق وقدرة على التدبير. فالذكورة والأنوثة خصائص خِلقية، أما الرجولة فهي صفة تُكتسب بالأداء والمسؤولية.

  • سمات القائد (الكبير): في التراث الاجتماعي والوجداني، “الكبير” هو الملجأ عند الشدائد، وهو الذي يتميز بالحكمة، والخبرة، والغفران، والتغاضي عن الصغائر.
  • الاحتواء النفسي: القوامة تعني سعة الصدر، والحزم في غير عنف، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت الحرج، مع استشارة الزوجة كشريك أساسي.
  • القدوة النبوية: القوامة في أبهى صورها

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس تطبيقاً للقوامة؛ فلم يكن جباراً في بيته، بل كان “في مهنة أهله”، يخدم نفسه ويساعد زوجاته. ومع ذلك، لم تمنع قوامته نساءه من مراجعته في الرأي، أو الاختصام أمامه، أو التعبير عن احتياجاتهن بكل حرية.

  • نماذج من السنة: قصة خولة بنت ثعلبة في المجادلة، وخنساء بنت خذام في رفض الزواج الإكراهي، وبريرة في اختيار فراق زوجها؛ كلها شواهد تثبت أن القوامة النبوية كانت سياجاً يحمي حرية المرأة ورأيها، وليست قيداً يكبلها.

إن نجاح الحياة الزوجية يكمن في إدراك أن القوامة هي مصلحة للمرأة قبل أن تكون حقاً للرجل. فالمؤمنة العاقلة تدرك أن السعادة لا تتحقق في الاستعلاء على الرجل، بل في كنف زوج يقود السفينة بحكمة وأمان. وكما شهدت بعض الكاتبات الغربيات، فإن التحكم الزائد من المرأة في شؤون الزوج يدمر العلاقة، بينما السكينة والمودة تتحقق عندما يؤدي كل طرف دوره الذي فطره الله عليه، لتظل الأسرة المسلمة واحة للأمان، ومصنعاً للأجيال القوية المتماسكة.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *