مقدمة: ما وراء السرد الإخباري للعلامات
إن الحديث عن أشراط الساعة في الفكر الإسلامي ليس مجرد سردٍ لوقائع غيبية أو استشرافٍ لنهاية العالم من باب الترف المعرفي، بل هو في جوهره فلسفة متكاملة للوعي بالزمن، ومنهجية ربانية لإعداد الإنسان لمواجهة التحولات الكبرى. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) [محمد: 18]. إن “الأشراط” هنا ليست مجرد تنبيهات لنهاية الوجود المادي، بل هي رسائل تذكيرية لاستنهاض الوعي وإصلاح المسار الحضاري قبل فوات الأوان.
الأبعاد المقاصدية للوعي بأشراط الساعة
لماذا أطلعنا الله ورسوله على علامات الساعة؟ إن التدبر في نصوص الوحي يكشف عن مقاصد شرعية وتربوية غاية في الأهمية، تتجاوز مجرد الخوف إلى بناء الشخصية الإسلامية الصلبة:
- مقصد اليقظة الروحية: كسر الغفلة التي تفرضها الحياة المادية، وتذكير الإنسان بأن هذا الكون له بداية وله نهاية، وأن المسؤولية الفردية والجماعية قائمة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) [الأنبياء: 1].
- مقصد التثبيت الإيماني: عندما يرى المؤمن تحقق نبوءات المصطفى ﷺ في واقعنا المعاصر، يزداد يقينه بأن هذا الدين حق، وأن الله غالب على أمره، مما يمنحه حصانة ضد موجات الشك والإلحاد.
- مقصد الحذر من الفتن: الوعي بالأشراط يمنح المؤمن “بوصلة” أخلاقية وفكرية للتمييز بين الحق والباطل في زمن اختلاط الموازين، كما في حديث النبي ﷺ: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم».
منهجية الثبات النفسي في زمن التحولات الكبرى
يعاني إنسان العصر الحديث من حالة “القلق الوجودي” تجاه المستقبل، ولكن الرؤية الإسلامية لأشراط الساعة تقدم ترياقاً لهذا القلق. إن فلسفة الثبات تقوم على السكينة الإيمانية التي تنبع من الإيمان بالقدر، واليقين بأن مقاليد الأمور بيد الله وحده. يقول النبي ﷺ: «لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم» (رواه البخاري)، وهذا ليس دعوة لليأس، بل هو تشخيص واقعي يحمي المؤمن من الصدمة النفسية عند حدوث التحولات السلبية، ويدفعه للتحصن بالعمل الصالح.
إن الثبات النفسي يتطلب وعياً بأن الصراع بين الحق والباطل سنة كونية، وأن النصر في النهاية للمتقين. (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]. هذا القرب ليس مصدراً للرعب، بل هو حافز لترتيب الأولويات والتركيز على ما ينفع العبد في دينه ودنياه، بعيداً عن الانشغال بتفاصيل الغيبيات التي لم يُكلفنا الله بالخوض في جزئيات توقيتها.
الثبات الحضاري: مبدأ “الفسيلة” والعمل إلى آخر لحظة
من أعظم ملامح الفلسفة الإسلامية في التعامل مع أشراط الساعة هو رفض الاستسلام والقعود. يتجلى ذلك في الحديث العظيم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد). هذا الحديث هو دستور “الثبات الحضاري”؛ فهو يقطع الطريق على كل فكر انهزامي يرى في اقتراب الساعة مبرراً لترك الإعمار والبناء.
إن المؤمن مطالب بالبناء حتى وهو يرى معالم النهاية، لأن قيمة العمل في الإسلام تكمن في “الامتثال للأمر” لا في “النتيجة المادية” فحسب. هذا التوازن بين الإيمان بفناء الدنيا والحرص على تعميرها هو ما يميز الأمة الوسط، التي لا تغرق في الرهبانية المنعزلة، ولا تذوب في المادية الجاحدة.
من السؤال عن “متى” إلى السؤال عن “ماذا”
جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأل: “متى الساعة؟”، فلم يجبه بتحديد تاريخ أو موعد، بل حوله إلى الجانب العملي قائلاً: «وماذا أعددت لها؟». هنا تكمن جوهر المنهجية الإسلامية: نقل الوعي من “فضول الغيب” إلى “مسؤولية العمل”.
إن الوعي بالأشراط في عصرنا الحالي يجب أن يترجم إلى:
- استعادة الفاعلية: فبدلاً من انتظار “المهدي” ليعيد لنا مجدنا، علينا أن نكون ممهدين للحق بالعدل والقوة والعلم.
- التحصين الفكري: قراءة تحولات العالم السياسية والاجتماعية في ضوء الوحي، لفهم “فتن الشبهات” و”فتن الشهوات” والوقوف في وجهها بصبر ويقين.
- تعزيز القيم الأخلاقية: فكثير من الأشراط تتعلق بانهيار القيم (تطاول البنيان، ضياع الأمانة، كثرة الكذب)، ومواجهتها تكون بإحياء قيم الصدق، والنزاهة، والتكافل الاجتماعي.
الخاتمة: نحو وعي راشد بالمستقبل
إن أشراط الساعة ليست قصصاً للتخويف، بل هي أنوار هادية في ليل التحولات المظلمة. إنها تنادينا أن نكون على أهبة الاستعداد، ليس بالخوف والانزواء، بل بالعطاء والبناء والثبات على المبادئ. إن فلسفة الوعي بالأشراط تجعل من المؤمن إنساناً واقعياً في رؤيته، غيبياً في يقينه، حضارياً في عمله.
لنكن ممن قال الله فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30]. فالاستقامة هي الغاية، والثبات هو الوسيلة، والجنة هي الموعد، وما أشراط الساعة إلا معالم على الطريق تذكرنا بأن الفجر آتٍ مهما اشتدت الظلمة.

اترك تعليقاً