فن استثمار الدقائق المنسية: كيف تجعل يومك مباركاً ومثمراً؟

# فن استثمار الدقائق المنسية: دليل المؤمن لتحويل الهباء إلى عطاء

إن الوقت هو رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو الوعاء الذي يُسكب فيه العمل، فإما أن يمتلئ بالصالحات التي ترفع الدرجات، وإما أن يضيع هباءً منثوراً فيكون حسرة وندامة. إن المتأمل في أحوال الناس يجد أن الفرق بين العظيم والمغمور، وبين الموفق والمخذول، يكمن في كيفية التعامل مع تلك “الأوقات اليسيرة” التي قد لا نلقي لها بالاً، ولكنها إذا أُحسن قنصها واستغلالها، أحدثت فارقاً هائلاً في يوم الإنسان، بل وفي مستقبله الأخروي والدنيوي.

أول الطريق: التحرر من قيد “السراب الرقمي”

إن أول خطوة في طريق استعادة العمر المهدور هي التوقف الحازم عن شغل هذه الأوقات البينية بجهاز الهاتف وبرامج التواصل الاجتماعي. لقد أصبحت هذه الوسائل ثقباً أسود يبتلع ساعاتنا بغير حساب، والأغلب فيما يُتداول فيها لا يخرج عن دائرة “القيل والقال”، أو الوقوع في المعاصي اللسانية والقلبية، أو في أحسن أحوالها: شغل القلب بالتوافه التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

حين يستسلم المرء لنداء الإشعارات المتلاحقة، فإنه يرهن قلبه لضجيج لا ينتهي، مما يورث تشتت الذهن وضيق الصدر. إن العاقل هو من يجعل هاتفه خادماً له لا سيداً عليه، فيغلقه أو ينحيه جانباً ليفتح لنفسه آفاقاً من الذكر والفكر والعمل النافع.

الأوقات الضائعة: كنوز مخفية في ثنايا اليوم

قد يظن البعض أن ضيق الوقت هو سمة العصر، ولكن الحقيقة أن أوقات الناس متشابهة في جملتها، ومهما بلغ الإنسان من ذروة العمل وعظم المسؤولية، فإنه سيجد حتماً في يومه أوقاتاً ضائعة تنتظر من يحييها. ومن أبرز هذه المحطات:

1. المساحة الذهبية قبل النوم

قبل أن تسلم عينيك للنوم، هناك مساحة زمنية جميلة وهادئة، هي فرصة لعمل نافع يختم به العبد يومه. أولى ما تُشغل به هذه المساحة هو “المسامرة مع الأهل” لمن تيسر له ذلك؛ فهي باب للمودة وبناء جسور الثقة. كما يمكن استغلالها في سماع شيء نافع، كبرامج “البودكاست” التي تثري العقل، أو متابعة سلسلة إيمانية ترقق القلب، أو قراءة كتاب يفتح آفاق المعرفة، أو مراجعة ما تيسر من محفوظك في القرآن أو السنة أو شتى العلوم.

2. أوقات الانتظار البينية

تلك الدقائق التي نقضيها في البيت انتظاراً لنضج الطعام، أو الاستعداد للخروج، هي أوقات يغفل عنها الكثيرون. إن من عوّد نفسه على شغل هذه الدقائق بذكر الله أو قراءة صفحات من كتاب، وجد نفسه أرحب صدراً وأجمل صبراً. بل إن هذا الانشغال الإيجابي يسد باباً واسعاً من المشكلات والمشاحنات التي قد تنشأ مع الزوجة والأولاد بسبب التأخر أو الانتظار، فبدلاً من التذمر، يكون القلب مشغولاً بما هو أسمى.

3. الأوقات المشغولة “اسماً لا حقيقة”

هناك أوقات نقضيها في العمل أو في المناسبات الاجتماعية، نظن أنها مشغولة بالكامل، لكن الحقيقة أنها تحتمل مساحات من الخير. ففي بيئة العمل، يمكن استغلال بعض اللحظات في إعانة محتاج أو قضاء حاجة زميل. وفي المناسبات الاجتماعية، بدلاً من الصمت أو الحديث الفارغ، يمكن مد جسور النصح، وبث روح الخير، وتذكير الناس بما ينفعهم، ليكون المجلس حجة لك لا عليك.

آفة العصر: غياب التركيز وشرود القلب

من أعظم صور ضياع الوقت تلك التي تأتي من “قلة التركيز”. إن الوقت لا يُقاس بالساعات التي نقضيها فوق الكتب أو خلف المكاتب، بل يُقاس بمدى حضور القلب فيها.

تأمل حال الطالب الذي يذاكر وقلبه مشغول وعقله شارد في عوالم أخرى؛ هذا الطالب يعاني من أوقات ضائعة حقيقية، حتى لو انحنى ظهره على الكتاب لساعات طوال. وكذلك الأب الذي يجلس في بيته، ويسمع مشكلة تعرضها زوجته أو ابنه، وهو ساهي القلب، غير متفاعل مع الحدث، هو في الحقيقة غائب وإن كان جسده حاضراً، ووقتُه هذا يُصنف ضمن الأوقات المهدورة التي لا ثمرة لها.

إعادة تعريف الإنجاز في ميزان الشرع

إن القصد من هذا الطرح هو دفع كل واحد منا لمراجعة نفسه، وإعادة تعريف هذه المشكلة المنسية (الأوقات الضائعة). ولعل الميزان الأدق لضبط الوقت هو “الإنجاز”. فما أنجز فيه المرء خيراً فهو وقت نافع مبارك، وما كان بلا فائدة فهو وقت ضائع مهدور.

بيد أن تعريف الإنجاز يختلف باختلاف المقاصد والنيات. والذي يهمنا كمسلمين أن لا يخرج هذا الإنجاز عن دائرة طاعة الله، ولا يدخل في حيز معصيته. فكل عمل يقربك من الله، أو ينفع عباده، أو يعينك على نوائب الحق، فهو إنجاز. وما سوى ذلك، فبقية المسألة أمرها يسير لمن تأمل وتدبر.

فقه الأولويات: إعطاء كل ذي حق حقه

لقد تعلم المسلم من دينه أن لكل وقت واجبه الخاص وحقه المستحق. فليس العمل الفاضل دائماً هو الأفضل، بل قد يكون العمل “المفضول” في وقت ما أولى من العمل “الفاضل”.

تأمل هذه الأمثلة الجلية:

  • بعد الفراغ من الصلاة، يكون الاشتغال بالأذكار المأثورة أولى من البدء في قراءة القرآن.
  • ترديد الأذان خلف المؤذن مقدم على الاستمرار في القراءة أو الذكر المطلق.
  • الفطر يوم عرفة للحاج أفضل من صومه، ليتقوى على الدعاء والوقوف.
  • طلب العلم لمن تأهل له ووجد في نفسه القدرة، أفضل من الانشغال بنوافل العبادات القاصرة.
  • السعي في الإصلاح بين الناس وقضاء حوائجهم أولى من المكوث في المسجد لنوافل العبادة.

هكذا تتربى نفس المؤمن على القاعدة النبوية الشريفة العظيمة التي رواها البخاري ومسلم: «إن لربك عليك حقا، وإن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه».

الخاتمة: السعيد من وُفق للعمل

إن الإنجاز مفهوم متنوع، يتغير بتغير الشخص، والحال، والزمن. فإنجاز المريض صبري، وإنجاز الغني بذل، وإنجاز العالم تعليم، وإنجاز العامي تعلم. والسعيد حقاً هو من وفقه الله لما ينفعه في معاده ومعاشه، واستطاع أن يملأ فجوات يومه بما يثقل ميزانه.

نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بالعمر، وأن يرزقنا البركة في الساعات والأيام، ويوفقنا لمراضيه، ويبارك لنا في الأثر والعمل والنية. إن العمر أنفاس لا تعود، فاجعل كل نَفَسٍ يخرج منك شاهداً لك بالخير عند ربك.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *