أدب التعامل مع الهفوات البشرية
جعل الله تعالى التفاوت في طباع البشر ومداركهم باباً من أبواب الابتلاء، كما قال عز وجل: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}. ومن أعظم الأسلحة لمواجهة هذا الابتلاء هو “حسن الخلق”، الذي يعد أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة. ومن ذروة سنام حسن الخلق “التغافل الكريم”، وهو الترفع عن تتبع العثرات، والإعراض عن التنقيب في عيوب الناس، والسمو بالنفس عن المحاسبة على كل دقيق وجليل، وكأن الخطأ لم يقع أصلاً.
التغافل في مدرسة الأنبياء
لقد كان التغافل سجية ثابتة في حياة صفوة الخلق:
- يوسف عليه السلام: حين اتهمه إخوته بالسرقة قائلين {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}، لم يواجههم بالحقيقة المؤلمة ولم يوبخهم، بل أسرها في نفسه ولم يبدها لهم، متجاوزاً جراح الماضي بقلب نقي.
- النبي محمد ﷺ: شهد له خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه بأنه خدمه عشر سنين، فما قال له “أف” قط، ولا عاتبه على تقصير. وحتى في أدق الشؤون العائلية، كان ﷺ يطبق منهج القرآن {عرّف بعضه وأعرض عن بعض}، فلا يستقصي في العتاب حفظاً للمودة.
- ميزان التعامل: يرى العلماء أن صلاح التعايش يكمن في “ثلثين من التغافل وثلث من الفطنة”.
- حفظ الود: من ركز على المكاره وعاش يتوقع المثالب من الناس، كدّر عيشه وأفسد علاقته بالآخرين.
- السيادة والشرف: قالت العرب قديماً “الشرف في التغافل”، فلا يسود الإنسان في قومه إلا إذا تغاضى عما يبدر منهم من زلل.
- السلامة النفسية: تسعة أعشار العافية (بل كلها كما قال الإمام أحمد) تكمن في التغافل عن منغصات التعامل.
- إطفاء نار الشر: التغافل يقتل الفتن في مهدها، فإذا واجهت الكلمة القبيحة بالإعراض، تلاشت ولم تجد لها صدى.
- ستر العيوب: من ستر عورات الناس بتغافله، ستر الله عورته وألقى محبته في القلوب.
- سمة العقلاء: وصف الإمام الشافعي العاقل بأنه “الفطن المتغافل”، فلا هو بالغبي الذي يُخدع، ولا هو بالمنقب الذي يُنفّر.
ضرورة حياتية لاستقامة العيش
ليس التغافل مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة اجتماعية تستقيم بها الحياة:
ثمار التغافل وآثاره المباركة
للمتغافل هيبة ومحبة لا يدركها المتشدد، ومن أبرز ثمار هذا الخلق:
الضابط الشرعي للتغافل
رغم عظمة هذا الخلق، إلا أن له حدوداً ترسمها الشريعة:
1. المجال المحمود: يكون في الهفوات الشخصية، وزلات الأصدقاء، وعيوب الطباع التي لا يترتب عليها ضياع حق.
2. المجال المذموم: لا يُشرع التغافل عند ضياع الواجبات أو انتهاك المحرمات؛ فلا يجوز السكوت عن المنكر أو إقرار الباطل تحت مسمى التغافل، بل يجب الإنكار بالحكمة والموعظة الحسنة وفق الأولويات الشرعية.
خاتمة:
إن التغافل هو مروءة الترك؛ ترك الخصام، وترك الاستقصاء، وترك المطالبة بكل الحقوق. هو عبير يفوح من نفوس الكرام، وبه تحفظ البيوت، وتدوم الصداقات، وتُبنى المجتمعات على أسس من المودة والتراحم.

اترك تعليقاً