حرب السرديات: كيف تلاعب المحتوى المضلل بحقيقة الاشتباكات في شرق سوريا؟
بالتوازي مع التصعيد الميداني الأخير بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في المناطق الشرقية، اندلعت حرب من نوع آخر على منصات التواصل الاجتماعي. لم تكن هذه الحرب بالرصاص، بل عبر موجة عارمة من المحتوى المضلل التي استهدفت تزييف الحقائق وإعادة صياغة المشهد الميداني لخدمة أجندات دعائية محددة.
التضليل الرقمي: سلاح جديد في معارك سوريا
شهدت الأيام القليلة الماضية تدفقاً هائلاً لمقاطع فيديو وصور ادعى ناشروها أنها توثق تدخلاً عسكرياً أميركياً مباشراً وتعزيزات ضخمة على الحدود السورية العراقية. ومع ذلك، كشف الفحص التقني الدقيق أن هذه المواد ليست سوى محاولات بصرية لإخراج أحداث قديمة من سياقها الزمني وربطها بالتوترات الجارية.
رصدت وحدة التحقق الرقمي مجموعة من أبرز هذه الادعاءات وفندتها كالتالي:
1. خديعة الدعم الأميركي المباشر
تداول ناشطون مقطع فيديو يزعم وصول معدات عسكرية أميركية لمساندة قوات "قسد" في معاركها الحالية.
- الحقيقة: بعد تتبع مصدر الفيديو، تبين أنه قديم جداً وقد نُشر سابقاً على منصة "تيك توك" في يونيو/حزيران، ولا صلة له نهائياً بالتحركات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
2. الصور المفبركة والشارات المزيفة
انتشرت صورة لجندي أميركي يرتدي شارة قوات سوريا الديمقراطية كدليل على الانحياز الميداني.
- الحقيقة: أظهر الفحص الرقمي أن الصورة مفبركة. النسخة الأصلية تعود لتاريخ 16 يناير/كانون الثاني خلال زيارة وفد من القوات الخاصة لبلدة دير حافر بريف حلب، والجندي في الصورة الأصلية لا يرتدي أي شارة تابعة لـ "قسد".
3. تدوير فيديوهات قديمة من العراق
نشرت حسابات محلية مقطعاً ادعت أنه لتعزيزات عسكرية قادمة من إقليم كردستان العراق نحو الحدود السورية.
- الحقيقة: كشفت عملية التحقق أن المقطع يعود إلى عام 2015، ويصور اشتباكات وقعت داخل الأراضي العراقية قبل نحو عقد من الزمن، مما يؤكد تعمد استخدام "الذاكرة الرقمية" لتأجيج الحاضر.
لماذا يتصاعد المحتوى المضلل الآن؟
تزامن هذا الزخم من التزييف مع تقدم ميداني للجيش السوري في محافظتي الرقة ودير الزور. ويهدف هذا النوع من التضليل الإعلامي إلى:
- رفع منسوب التوتر: عبر إيهام الرأي العام بوجود قوى دولية طرفاً في النزاع المباشر.
- التأثير على الروح المعنوية: من خلال تضخيم حجم القوات أو العتاد عبر مشاهد قديمة.
- إعادة تشكيل الرواية: خلق بيئة خصبة للشائعات التي تصعب عملية فصل الواقع عن الخيال.
خلاصة القول
إن الساحة الرقمية في سوريا باتت بيئة نشطة لإعادة تدوير المحتوى الزائف. لذا، تبرز أهمية التحقق من المصادر قبل تداول الأخبار، خاصة في ظل الأزمات الميدانية حيث تصبح "الحقيقة" هي الضحية الأولى في صراع السرديات.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً