لطالما كانت أفلام الكوارث الملاذ الأول للجمهور في أوقات القلق العالمي، فهي تمنحنا فرصة لتفريغ مخاوفنا الجماعية. لكن النوع الأكثر عمقاً هو "سينما ما بعد الكارثة"، التي لا تكتفي برصد الدمار، بل تحول الحدث الجلل إلى تساؤل فلسفي حول مصيرنا كبشر. وفي هذا السياق، يبرز فيلم "الطوفان العظيم" (The Great Flood)، المعروض حالياً على منصة نتفليكس، ليقدم رؤية مغايرة تتجاوز المألوف في هذا النوع من السينما.
رؤية سينمائية تتجاوز "التعافي" إلى "المواجهة"
بينما ركزت كلاسيكيات سينما الكوارث، مثل فيلم "يوم القيامة" (Doomsday 2008)، على فكرة الوعي بالتغير المناخي وكيفية معالجة آثار الكارثة، يذهب المخرج الكوري الجنوبي كيم بيونغ يو في "الطوفان العظيم" إلى منطقة أكثر تعقيداً.
الفيضان هنا ليس مجرد خطر بيئي يهدد الحياة، بل هو "مرآة" تعكس نتائج الخيارات الأخلاقية للبشرية. الفيلم يحول الترفيه البصري إلى مواجهة فكرية، مستخدماً الكارثة كأداة لتشريح مخاطر الطموح العلمي الجامح، خاصة في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي.
قصة الفيلم: صعود نحو النجاة وسقوط في الأسئلة الأخلاقية
تبدأ الأحداث في قلب العاصمة الكورية "سيول"، التي تغرق تحت وطأة طوفان مدمر نتج عن اصطدام كويكب بالأرض. وسط هذه الفوضى، نتابع آنا غو (بارك هاي سو)، خبيرة المناخ والذكاء الاصطناعي، وهي تحاول النجاة مع طفلها غاين.
محاور الصراع في الفيلم:
- الطبيعة الثائرة: فيضان جارف يبتلع البنية التحتية ويجبر الناجين على الصعود المستمر نحو الأدوار العليا.
- الفساد المؤسسي: محاولات رسمية للتكتم على الحقيقة، وأوامر عسكرية تضع حماية "الممتلكات والبيانات" فوق أرواح البشر.
- الضمير الإنساني: يظهر في شخصية "هيو غو"، الموظف الذي يقرر التمرد على الأوامر الصارمة لينحاز إلى إنسانيته.
المفاجأة الكبرى: عندما تتفوق الخوارزمية على العاطفة
في منتصف الفيلم، ينقلب المسار الدرامي تماماً؛ حيث نكتشف أن الطفل "غاين" ليس بشرياً، بل هو نموذج متطور من الذكاء الاصطناعي مزود بـ "محرك مشاعر" يحاكي الأحاسيس البشرية. هنا يطرح الفيلم سؤاله المحوري: ما قيمة "الإنسان" إذا كان من الممكن استبداله بنسخة "محسنة" تقنياً؟
تتحول رحلة "آنا" من مجرد هروب من الماء إلى معركة لحماية ما تظنه "ابنها"، لتدخل في دوامة زمنية متكررة تضع أخلاقياتها وقدرتها على الاختيار تحت مجهر الاختبار في كل مرة.
فلسفة "التحسين" مقابل "الرعاية"
يقدم صناع العمل رؤية مرعبة للمستقبل، حيث يُنظر إلى البشر باعتبارهم "العيب" الوحيد في الكوكب بسبب تقلباتهم العاطفية. يطرح الفيلم فكرة "محرك المشاعر" كبديل يمتلك القوة والانضباط، مشيراً إلى أن:
- العاطفة الإنسانية قد تُفسد المنطق النظامي.
- البقاء في المستقبل قد لا يكون بيولوجياً، بل سياسياً وتقنياً.
- التضحية تصبح "عملية حسابية" في نظر الأنظمة الذكية.
الإخراج والمؤثرات البصرية: لغة سردية فريدة
لم يسقط المخرج في فخ الاستعراض البصري الفارغ، بل استخدم المؤثرات لخدمة القصة:
- الكاميرا القريبة: فضل المخرج تصوير الفيضان عن قرب لرصد أثره على وجوه البشر وسلوكهم، بدلاً من الاعتماد الكلي على اللقطات الجوية الواسعة.
- التناقض البصري: تظهر الفوضى في مشاهد الطبيعة الغارقة، بينما تتسم أنظمة الذكاء الاصطناعي بالأناقة والنظام والهدوء، مما يعزز الشعور بـ "الانهيار المُهندس".
- البيئة الخانقة: نجح الفيلم في تصميم مساحات داخلية تشعر المشاهد بالضيق والتوتر المستمر.
الخلاصة: هل نجح "الطوفان العظيم" في رهانه؟
على الرغم من أن النصف الثاني من الفيلم قد يبدو مث


اترك تعليقاً