فيلم “مع حسن في غزة”: حين تصبح الذاكرة السينمائية أقوى من محاولات المحو والإبادة

فيلم “مع حسن في غزة”: حين تصبح الذاكرة السينمائية أقوى من محاولات المحو والإبادة

في عالم السينما الوثائقية، نادراً ما نجد عملاً يربط الحاضر بالماضي دون الحاجة إلى صراخ أو مشاهد دموية مباشرة. هذا ما حققه المخرج والمنتج الفلسطيني المبدع كمال الجعفري في فيلمه الاستثنائي "مع حسن في غزة". الفيلم ليس مجرد توثيق لمكان، بل هو استنطاق للزمن، ومحاولة جادة لاستعادة الذاكرة الفلسطينية من براثن النسيان والمحو الممنهج.

رحلة فنية من رماد الانتفاضة إلى مأساة الحاضر

يعتمد الفيلم في جوهره على أرشيف بصري خاص، صوره الجعفري بنفسه بكاميرته الشخصية في قطاع غزة إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001. وبعد مرور أكثر من عقدين، أعاد المخرج اكتشاف هذه اللقطات ليعرضها في سياق معاصر، مما منح الصور القديمة ثقلاً وجودياً جديداً.

يصطحبنا الفيلم في رحلة جغرافية وإنسانية من شمال القطاع إلى جنوبه، يرافقنا فيها دليل محلي يدعى "حسن". من خلال هذه الرحلة، تتشكل لوحة شاعرية ترصد تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين؛ تلك التفاصيل البسيطة التي تتحدى بطبيعتها أجواء الحرب والحصار المستمر.

السينما كأداة للمقاومة الفكرية والجمالية

خلال مشاركته في مهرجان الدوحة السينمائي، حيث حصد الفيلم جائزة "أفضل إنجاز فني"، أكد الجعفري أن السينما بالنسبة له هي "جسر بين الذاكرة والسرد". ويرى المخرج أن أهمية هذا العمل تكمن في المسافة الزمنية، موضحاً:

  • فهم الواقع: الرؤية المتأخرة لصور عام 2001 تمنح المشاهد قدرة عميقة على فهم جذور مأساة اليوم دون الحاجة لشرح مباشر.
  • مواجهة المحو: يعتبر الجعفري أن ما يواجهه الفلسطينيون هو "مشروع محو شامل" يهدف لإزالة أثر الإنسان الفلسطيني من الذاكرة العالمية، وهنا يأتي دور الفن كحائط صد.
  • تثبيت الوجود: الصورة الفنية هي شكل من أشكال المقاومة الهادئة التي تثبت الحق التاريخي والوجودي في الوعي الجمعي.

فلسفة "الحياة العادية" في مواجهة نمطية الضحية

في خطوة لافتة ومغايرة للسائد، تعمد كمال الجعفري استبعاد مشاهد العنف الصادم أو الدماء من فيلمه، رغم علمه بحجم الدمار الذي خلفه العدوان الأخير منذ أكتوبر 2023. وينطلق هذا التوجه من رؤية عميقة تتلخص في:

  1. كسر القوالب النمطية: تكرار صور الضحايا قد يحصر الفلسطيني في دور "الضحية الدائمة"، بينما أراد الجعفري إظهارهم كبشر طبيعيين لهم أحلام وحياة تشبه أي مجتمع آخر.
  2. إشراك وعي المشاهد: الفجوة بين هدوء صور الماضي ودموية الواقع الحالي يملؤها المشاهد بوعيه الخاص، مما يجعل الرسالة أقوى وأكثر رسوخاً.
  3. إنسانية الاحتياج: يبرز الفيلم مشاهد لأطفال غزة وهم يتوقون لمجرد التقاط صورة، وهو احتياج إنساني بسيط يتحول في السياق الفلسطيني إلى وثيقة مؤلمة.

نجاحات دولية واحتفاء نقدي واسع

لم يمر فيلم "مع حسن في غزة" مرور الكرام في المحافل الدولية، بل أثار ضجة نقدية وإنسانية كبيرة:

  • مهرجان لوكارنو السينمائي: شارك في المسابقة الرسمية وترشح لجائزة "الفهد الذهبي"، وفاز بجائزة "علامة يوروبا سينما".
  • مهرجان الدوحة السينمائي: نال تقديراً كبيراً بجائزة الإنجاز الفني.
  • الارتباط بأعماله السابقة: يأتي هذا الفيلم امتداداً لمشروع الجعفري السينمائي الذي بدأه بفيلم "الفيلم عمل فدائي"، والذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم في مهرجان "فيجن دو ريل" المرموق.

الخاتمة: السينما كخزان للذاكرة

في الختام، يقدم كمال الجعفري في "مع حسن في غزة" درساً في كيفية تحويل الأرشيف الشخصي إلى قضية عامة. إن الفيلم هو صرخة صامتة في وجه القوة الباطشة، وتأكيد على أن الإنسان الفلسطيني، رغم محاولات الإبادة والتهجير، سيبقى حاضراً في الذاكرة والزمن والصورة، طالما أن هناك كاميرا توثق، وقلباً يتذكر.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *