مقدمة: ماهية الاستبشار الأول في الوعي الإيماني
إن الحديث عن رحلة الروح من عوالم المادة إلى فضاءات الغيب ليس مجرد استشراف لمستقبل مجهول، بل هو غوص في كنه الوجود وتأمل في وعد الله الحق. نطلق مصطلح ‘الاستبشار الأول’ ليعبر عن تلك اللحظة الفينومينولوجية الفارقة التي يدرك فيها المؤمن حقيقة النعيم قبل أن تطأ قدماه الجنة، وهي حالة من التجلي الروحي تبدأ من لحظة النزع الأخير وتستمر كبناء معماري من السكينة في حياة البرزخ. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: 30].
لحظة العبور: هندسة السكينة عند الوفاة
تبدأ أولى لبنات معمار الطمأنينة عند عتبة الموت، حيث تتكشف للروح حقائق كانت محجوبة عنها بغطاء الجسد. في هذه اللحظة، لا يعود الموت عدماً، بل يصبح بوابة عبور نحو ‘الاستبشار’. تصف السنة النبوية المطهرة هذه اللحظة بدقة متناهية، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البراء بن عازب رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ‘إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة’.
هذا المشهد المهيب يمثل ‘هندسة السكينة’؛ حيث تتضافر الرؤية (وجوه كالشمس) مع الرائحة (حنوط الجنة) لتخلق حالة من الأمان التام. إن الاستبشار الأول هو إلغاء لمنطق الخوف الزماني والمكاني، واستبداله بيقين المشاهدة. الروح هنا لا تخرج كراهة، بل تسيل ‘كما تسيل القطرة من في السقاء’، لأنها استبشرت بمقعدها من الرضوان.
معمار الطمأنينة البرزخية: القبر كروضة من رياض الجنة
حياة البرزخ ليست مجرد انتظار سكوني، بل هي ‘دراسة في معمار الطمأنينة’. فالمؤمن بعد سؤاله من الملكين وتثبيته بكلمة التوحيد، يفتح له باب إلى الجنة. يقول الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
في هذه المرحلة، يتشكل ‘الفضاء البرزخي’ للمؤمن وفق هندسة فريدة تشمل الآتي:
- الامتداد المكاني: حيث يفسح له في قبره مد بصره، مما يعطي شعوراً باللانهاية والحرية الروحية.
- الاتصال النعيمي: يأتيه من ريح الجنة وطيبها، وهو اتصال استباقي يغذي الروح ويجعلها في حالة ترقب مستبشر.
- الأنيس الروحاني: يتمثل عمله الصالح في صورة رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، يقول له: ‘أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد’.
إن هذا الأنيس هو التجسيد الجمالي للاستبشار الأول، حيث تتحول الأفعال المجردة (الصلاة، الصدقة، حسن الخلق) إلى كينونة مؤنسة ترافق الروح في رحلتها نحو الأبدية.
فينومينولوجيا الحبور السرمدي: هندسة الجنان
عندما تقوم الساعة، وينتهي أمد البرزخ، ينتقل المؤمن من ‘الاستبشار’ إلى ‘التحقق الكامل’. هنا نتحدث عن ‘هندسة الحبور السرمدي’. الجنة في المنظور الإسلامي ليست مجرد مكان للاستهلاك المادي للذات، بل هي بناء هندسي متكامل صممه الخالق سبحانه ليتناسب مع تمام الرضا الروحي والجسدي.
يصف القرآن الكريم هذا المعمار بدقة: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [الزمر: 20]. كلمة ‘مبنية’ هنا تشير إلى الإحكام الهندسي والجمال المعماري الذي يوفر أقصى درجات الطمأنينة. إن الاستبشار الأول الذي بدأ في البرزخ يجد تمامه في ‘رؤية وجه الله الكريم’، وهي أعلى مراتب الحبور التي تنسي المؤمن كل كدح مر به في الدنيا.
كيفية بناء الاستبشار في الحياة الدنيا
إن الوصول إلى مقام ‘الاستبشار الأول’ يتطلب هندسة مسبقة في حياة المؤمن الدنيوية. لا يمكن للروح أن تستبشر عند الموت ما لم تكن قد تذوقت حلاوة الإيمان في الدنيا. ويمكن تلخيص ركائز هذا البناء في النقاط التالية:
- تحقيق مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، وهذا يخلق رابطة وجدانية تجعل لقاء الله محبوباً للنفس.
- دوام الاستقامة: كما ورد في الآية (ثم استقاموا)، فالاستقامة هي العمود الفقري لمعمار الطمأنينة.
- سلامة الصدر: لكي تستقبل الروح بشارات الملائكة، يجب أن تكون طاهرة من الغل والحسد، فهي ‘نفس طيبة’ تستحق ‘القول الطيب’.
- الإكثار من ذكر هادم اللذات بالرجاء لا بالخوف المحبط: النظر إلى الموت كلقاء بالحبيب، وكبداية للاستبشار الحقيقي.
خاتمة: نحو وعي جديد بالخلود
إن ‘فينومينولوجيا الاستبشار الأول’ تعلمنا أن الموت ليس نهاية القصة، بل هو لحظة التحرر من قيود المادة للدخول في رحابة الروح. إن هندسة الحبور السرمدي تبدأ من هنا، من قلب المؤمن الذي وثق بوعد ربه، واستعد لتلك اللحظة التي ستقول له فيها الملائكة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73].
فلنجعل من حياتنا ورشة عمل لبناء ذلك المقام، ولنجعل من أفعالنا طوباً في صرح طمأنينتنا البرزخية، مستبشرين دائماً برحمة الله التي وسعت كل شيء، وطامعين في جنان خلد لا يفنى نعيمها ولا يزول حبورها. إن الاستبشار الأول هو الجائزة الكبرى التي ينتظرها كل مؤمن، وهي اللحظة التي ينكشف فيها الغطاء، فيبصر القلب ما لم تره عين، ويسمع ما لم تسمع أذن، ويشعر بما لم يخطر على قلب بشر.

اترك تعليقاً