مقدمة: استبصار دلالة الميثاق في الوعي القرآني
حين يتحدث القرآن الكريم عن الروابط الإنسانية، فإنه يمنحها أبعاداً تتجاوز حدود المادة والتعاقدات القانونية الباردة، ليصعد بها إلى سماوات القداسة. ومن أشد هذه الروابط عمقاً تلك التي وصفها الله عز وجل بـ “الميثاق الغليظ”. إنها لفظةٌ لم ترد في القرآن إلا في ثلاثة مواضع: ميثاق الله مع النبيين، وميثاق الله مع بني إسرائيل في شأن الطور، وميثاق الزواج؛ مما يشي بضخامة هذه الأمانة وعظم تلك المسؤولية.
في هذه الدراسة، نغوص في فينومينولوجيا (الظواهر الروحية والواقعية) لهذا الميثاق، لنكشف كيف يتحول عقد الزواج من مجرد إجراء قانوني إلى معمار متكامل من الحقوق التبادلية التي تضمن استدامة السكينة وتحقيق مراد الله في الأرض.
أولاً: ماهية الميثاق الغليظ.. من العقد إلى العهد
يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا). إن استخدام صفة “الغليظ” هنا يشير إلى قوة الرباط وإحكامه، فهو رباطٌ لا ينفك بسهولة، ومسؤولية تقع على عاتق الطرفين أمام ديان السماوات والأرض.
من الناحية الروحانية، الميثاق الغليظ هو حالة من الانصهار الوجودي، حيث يغدو كل طرف مرآةً للآخر، وستراً له، ومسكناً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع مؤكداً على قدسية هذا الميثاق: “فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله” (رواه مسلم). فالعلاقة هنا ليست بين رجل وامرأة فحسب، بل الله جل جلاله هو الشاهد والضامن لهذا العقد.
ثانياً: معمار الحقوق التبادلية.. هندسة المودة والرحمة
يقوم البيت المسلم على ثنائية فريدة حددها القرآن الكريم في قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). إن هذا المعمار الحقوقي ليس صراعاً على السلطة، بل هو تكامل وظيفي وروحاني:
- حق السكينة: وهو الحق الأول، إذ يجب أن يجد كل طرف في الآخر الملاذ الآمن من ضجيج الحياة.
- حق الإحسان (الفضل): وهو درجة تفوق العدل، حيث يقول تعالى: (وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ). الفضل يعني التغافل عن الزلات، والعطاء دون انتظار المقابل.
- حق القوامة والرعاية: القوامة في الإسلام هي تكليف بالخدمة والحماية وليست تشريفاً بالتسلط، فهي تسييج للبيت بالأمان المادي والمعنوي.
ثالثاً: التناغم التشريعي وأثره في صيانة السكينة
إن التشريع الإسلامي ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو نسيج متناغم يهدف إلى خلق بيئة مستقرة. عندما يلتزم الرجل بواجبه في النفقة والاحتواء، وتلتزم المرأة بواجبها في الرعاية والحفظ، ينشأ ما نسميه “التناغم التشريعي”. هذا التناغم هو الذي يمنع حدوث التآكل في جدار السكينة الزوجية.
إن غياب هذا التناغم، والمطالبة بالحقوق مع إغفال الواجبات، يؤدي إلى خلل في “فينومينولوجيا” العلاقة؛ فتتحول المودة إلى كراهية، والرحمة إلى قسوة. لذا شدد الإسلام على ضرورة الوفاء بالشروط والمواثيق، فقال صلى الله عليه وسلم: “أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج” (متفق عليه).
رابعاً: تجليات السكينة في الممارسة النبوية
كان بيت النبوة هو النموذج التطبيقي الأسمى للميثاق الغليظ. لم تكن العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه علاقة أوامر ونواهٍ، بل كانت فيضاً من المشاعر الراقية والتقدير المتبادل. سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: “كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة” (رواه البخاري).
هذه الروحانية في التعامل هي التي تجعل من الميثاق الغليظ حبل نجات في الأزمات. إنها القدرة على رؤية الشريك كشريك في العبادة، وفي بناء الجنة، وليس مجرد شريك في السكن. السكينة هنا ليست غياب المشاكل، بل هي الطمأنينة القلبية التي تسكن الزوجين عند مواجهة تلك المشاكل بمرجعية إيمانية.
خامساً: كيف نحافظ على غلظة الميثاق في عصر الانفلات؟
في عصرنا الحالي، الذي تغلبت فيه المادية على القيم، وتراجعت فيه قدسية الروابط، نحتاج إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الميثاق الغليظ من خلال:
- استحضار الرقابة الإلهية: أن يدرك كل طرف أن الله مطلع على خفايا التعامل الزوجي، وأن الظلم في حق الشريك هو ظلم يُحاسب عليه العبد.
- التربية الروحية: فالقلب المليء بحب الله ورسوله هو أقدر القلوب على العطاء والصفح.
- تجديد الوفاق: عبر الحوار المبني على الصدق والرحمة، بعيداً عن لغة الأنا والتملك.
يقول الله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ). هذا التصوير الإلهي يختصر كل معاني الستر، والقرب، والدفء، والوقاية. اللباس هو أقرب شيء للإنسان، وهكذا يجب أن يكون الزوجان في التحامهما النفسي والروحي.
خاتمة: نحو رؤية حضارية للأسرة المسلمة
إن فهم فينومينولوجيا “الميثاق الغليظ” يتطلب منا تجاوز القراءات السطحية للنصوص الشرعية، والارتقاء إلى مستوى الاستبصار الروحاني الذي يربط الأرض بالسماء. إن الزواج في الإسلام ليس مجرد إشباع لغريزة أو تكثير لنسل، بل هو معملٌ لإنتاج الإنسان الصالح، ومحضنٌ لتجلي أسماء الله الحسنى في الود والرحمة والستر.
عندما ندرك أن هذا الميثاق هو عهدٌ مع الله قبل أن يكون مع البشر، ستصبح السكينة غايةً تُدرك، وواقعاً يُعاش، وسياجاً يحمي الأسرة من رياح التفكك والضياع. فلنتقِ الله في مواثيقنا، ولنجعل من بيوتنا محاريب للطاعة، ومن علاقاتنا تجلياً للجمال الإلهي في الأرض.

اترك تعليقاً