قاعدة بغرام الجوية: هل ارتكبت واشنطن خطأً إستراتيجياً بالتخلي عن “خنجرها” ضد إيران والصين؟

قاعدة بغرام الجوية: هل ارتكبت واشنطن خطأً إستراتيجياً بالتخلي عن “خنجرها” ضد إيران والصين؟

قاعدة بغرام الجوية: مركز الثقل الذي فقدته واشنطن في قلب آسيا

مع تصاعد حدة التوترات الدولية وتسارع وتيرة التنافس بين القوى العظمى، عاد اسم قاعدة بغرام الجوية في أفغانستان ليتصدر واجهة النقاشات السياسية والعسكرية في واشنطن. هذا الموقع الذي كان يوماً ما قلب العمليات الأمريكية النابض في آسيا الوسطى، بات اليوم مادة دسمة لتقييم الأخطاء الإستراتيجية والفرص الضائعة.

عودة الجدل: هل كان الانسحاب "خطيئة" إستراتيجية؟

أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إشعال الجدل حول القاعدة، واصفاً التخلي عنها بـ "الخطأ الإستراتيجي". ولم يقتصر الأمر على التصريحات السياسية، بل امتد ليشمل مسؤولين عسكريين مثل السفير مايك ولتز، الذي تحسر على فقدان السيطرة على القاعدة في ظل التصعيد الإقليمي الحالي مع إيران.

تطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية:

  • هل كانت بغرام قادرة على تغيير ميزان القوى لو بقيت تحت سيطرة واشنطن؟
  • كيف كانت ستؤثر على طموحات الصين وتحركات إيران الإقليمية؟

الموقع الجغرافي: خنجر في خاصرة القوى الكبرى

تقع قاعدة بغرام في ولاية بروان، على بعد 50 كيلومتراً فقط شمال كابل. لكن قيمتها الحقيقية تكمن في أبعادها الإقليمية:

  1. القرب من الصين: تبعد القاعدة نحو ساعة طيران فقط عن مراكز التصنيع النووي الصينية.
  2. العمق الإيراني: توفر منصة مثالية لمراقبة الحدود الشرقية لإيران وتنفيذ عمليات استطلاع دقيقة.
  3. التقاطع القاري: تقع عند نقطة التقاء الشرق الأوسط بآسيا الوسطى وجنوب آسيا.

المواجهة مع إيران: منصة مراقبة أم هدف للانتقام؟

من الناحية العسكرية، كانت بغرام ستمنح الولايات المتحدة "عمقاً عملياتياً" هائلاً. بفضل مدارجها الضخمة، كان بإمكان واشنطن نشر قاذفات بعيدة المدى وطائرات مسيرة لمراقبة الأنشطة العسكرية الإيرانية على مدار الساعة.

ومع ذلك، يرى خبراء مثل وزير الدفاع الأفغاني السابق شاه محمود مياخيل، أن البقاء في بغرام لم يكن بلا ثمن. فوجود قاعدة بهذا الحجم كان سيجعل الأراضي الأفغانية ساحة لتصفية الحسابات، وعرضة لضربات انتقامية إيرانية مباشرة، مما قد يشعل صراعاً لا تنتهي شرارته.

البعبع الصيني: ساعة واحدة تفصل بغرام عن المفاعلات

يرى المحللون أن "العامل الصيني" هو المحرك الحقيقي للندم الأمريكي. فبغرام تقع على مسافة أقل من 1000 كيلومتر من الحدود الصينية، وتحديداً قرب إقليم شينجيانغ.

هذا الموقع يجعل منها:

  • مركز استخبارات متقدم: لمراقبة البرامج الصاروخية والتحركات العسكرية الصينية.
  • أداة ضغط اقتصادي: لتعقيد خطط بكين المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".

التحديات اللوجستية: هل كان البقاء ممكناً؟

رغم الأهمية الإستراتيجية، يشير الواقع العسكري إلى أن تشغيل قاعدة بغرام في بيئة معادية يتطلب منظومة لوجستية معقدة تشمل:

  • تأمين خطوط إمداد الوقود والدعم الفني.
  • توفير حماية جوية وأنظمة رادار متطورة.
  • وجود غطاء سياسي من الحكومة المحلية (وهو ما بات مستحيلاً بعد سيطرة طالبان).

خلاصة القول

تظل قاعدة بغرام الجوية أكثر من مجرد منشأة عسكرية؛ إنها رمز للتنافس الجيوسياسي الذي لا يهدأ. وسواء كان الانسحاب منها ضرورة لإنهاء "الحروب الأبدية" أو سقطة إستراتيجية كلفت واشنطن ميزتها التنافسية، فإن التاريخ سيذكر بغرام كالنقطة التي كانت تراقب منها أمريكا خصومها من مسافة الصفر.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *