قيس سعيد ومأزق الحكم في تونس: قراءة في المسار والنتائج
بعد مرور أكثر من خمس سنوات على تولي الرئيس التونسي قيس سعيد مقاليد السلطة، يجمع المراقبون على أن هذه المرحلة لم تقدم للتونسيين منجزات ملموسة على الصعد الاقتصادية أو الدبلوماسية. وبدلاً من ذلك، تركز الجهد السلطوي على إعادة صياغة المشهد السياسي عبر أدوات أمنية وقانونية مثيرة للجدل.
تصفية المشهد السياسي وفتح أبواب السجون
يعتبر المعارضون أن المنجز الوحيد الملحوظ في عهد قيس سعيد هو تغييب القيادات السياسية الفاعلة وراء القضبان. شملت حملة الاعتقالات طيفاً واسعاً من الرموز، بدءاً من راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وصولاً إلى أحمد نجيب الشابي وقيادات حزبية وصحفيين ومدونين.
تتميز هذه المرحلة بخصائص فريدة في التاريخ السياسي التونسي:
- شمولية الاستهداف: لم يقتصر الأمر على تيار بعينه، بل شمل الإسلاميين، العلمانيين، والحقوقيين.
- طبيعة المحاكمات: يصفها الحقوقيون بأنها تفتقر لمعايير العدالة الدولية.
- قمع حرية الرأي: سجن مواطنين بسبب تدوينات تنتقد الأداء الحكومي أو المؤسسات السيادية.
استراتيجية "غلق ملف الثورة"
لا تبدو قرارات الرئيس قيس سعيد مجرد ردود أفعال عفوية، بل هي جزء من مقاربة منهجية تهدف إلى إنهاء إرث ثورة 14 يناير. يسعى النظام الحالي إلى الانخراط في "موجة مضادة" إقليمية ترفض التعددية والديمقراطية والحريات العامة.
تفكيك المؤسسات الدستورية
قام الرئيس بإلغاء القواعد التي أفرزتها الثورة، مستبدلاً إياها بنظام "رئاسوي" مطلق، عبر خطوات متسارعة شملت:
- إصدار المرسوم (117) الذي منح الرئيس سلطات واسعة.
- كتابة دستور جديد بشكل فردي.
- حل المجلس الأعلى للقضاء وهيئة مكافحة الفساد.
- تدجين الهيئة المستقلة للانتخابات.
غياب التنمية وبروز "الفوضى الصامتة"
في ظل غياب أي مشروع اقتصادي حقيقي، تحولت الدولة من محرك للتنمية إلى جهاز معرقل لها. أدت البيروقراطية المتآكلة والسياسات الأمنية إلى حالة من "الفوضى الصامتة"، حيث يسود الخوف وتتراجع الاستثمارات، مما عمق الهوة بين السلطة والشارع التونسي.
أزمة المعارضة: صراع الأيديولوجيا والبحث عن بديل
تواجه المعارضة التونسية مأزقاً بنيوياً يحول دون قدرتها على مواجهة انفراد قيس سعيد بالسلطة. هذا المأزق يتلخص في نقاط جوهرية:
- الانقسام الداخلي: سيطرة الحسابات الأيديولوجية الضيقة على العمل المشترك.
- فخ "الاستئصال": استمرار الصراع بين التيارين العلماني والإسلامي، وهو صراع يغذيه النظام لإضعاف الجبهة المعارضة.
- أخطاء حركة النهضة: فشل الحركة خلال سنوات حكمها السابقة في تحقيق إصلاحات جذرية، مما جعلها مادة دسمة للنقد والرفض.
مفارقة اليسار والعائلة الديمقراطية
يعيش العقل السياسي اليساري التونسي أزمة وعي؛ فهو يرفض الديمقراطية التي قد تأتي بالإسلاميين، مما دفعه للتقاطع مع "مسار 25 يوليو" في بداياته، ليجد نفسه لاحقاً مستبعداً من المشهد السياسي ككل.
الخلاصة: هل من مخرج للأزمة؟
رغم صدور بيانات توافقية مؤخراً من أحزاب كبرى مثل (حزب العمال، التيار الديمقراطي، والحزب الجمهوري)، إلا أن القدرة على كسر الحاجز النفسي وبناء مشروع وطني جامع لا تزال غائبة.
يبقى السؤال قائماً: هل تلتقط المعارضة رسائل التوافق لبناء أرضية صلبة ضد الاستبداد الجديد، أم ستظل تونس تراوح مكانها في وادٍ سحيق من الأزمات المتلاحقة؟ إن الطريق نحو استعادة المسار الديمقراطي لا يزال طويلاً وشاقاً.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً