كسب القلوب مقدم على كسب المواقف: فن التعامل النبوي الرفيع

# كسب القلوب مقدم على كسب المواقف: دستور الأخلاق ومنهج الحياة

معاشر المؤمنين الكرام، يا من ترجون رحمة الله وتخشون عذابه، نقف في هذه الوقفة الإيمانية مستعينين بالله جل وعلا، لنتأمل في قاعدة عظيمة من قواعد السلوك، وأصلٍ رصين من أصول الأخلاق التي شيدها ديننا الحنيف. إنها قاعدة رائعة تُطفأ بها نيران العداوات، وتُستجلب بها المودات، وتُبنى بها البيوت والمجتمعات على أسس من المحبة والوئام. إنها القاعدة الجليلة التي من طبقها في حياته هدأت نفسه، واطمأن قلبه، وحسنت سمعته بين الورى، فأحبه الناس وأحبهم، وقبل ذلك كله نال محبة رب الناس سبحانه. إننا نتحدث عن منهج حياة يصفو به العيش، وتطيب به الحياة، ويعيش معه المرء في راحة وسعادة غامرة، ألا وهي قاعدة: كسب القلوب مقدم على كسب المواقف.

القلب: محور الصلاح ومنطلق الفلاح

إن القلوب في ميزان الإسلام شأنها عظيم، ومكانتها في مسيرة العبد نحو ربه مكانة الصدارة، بل إن فوز الدنيا والآخرة مداره على سلامة هذا العضو الذي هو ملك الأعضاء. تأملوا معي قول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 – 89].

ولنا أن نتساءل: من هو صاحب القلب السليم؟ إن القلب السليم هو ذلك القلب الذي سلم من دنس الشرك والبدع، وتطهر من أرجاس المعاصي والذنوب، وتخلص من أدواء القلوب وأدرانها القاتلة، وبرئ من أمراض الشبهات التي تزيغ به عن الحق، والشهوات التي تهوي به في المعاصي، وسلم من كل ما لا يرضي الله جل وعلا.

وفي السنة النبوية المطهرة، نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى صفات هذا القلب؛ ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لا إِثْم فِيهِ وَلَا بَغْيَ، وَلا غِلَّ وَلا حَسَدَ». والمخموم في لغة العرب هو النظيف، مأخوذ من خم البيت إذا نظفه، فكأن المؤمن مطالب دائماً بكنس قلبه من القاذورات النفسية.

إن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة الصدر بلغ مبلغاً عظيماً، حيث كان يقول: «لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا؛ فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر». فإذا كان هذا التوجيه في حق الطاهر المطهر، والمنزه عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا نحن ونحن نعيش في زمن كثرت فيه الفتن وتكدرت فيه النفوس؟ إننا أولى وأحرى بملازمة هذا الخلق، فهنيئاً لمن داوم على إصلاح قلبه، وتعهده بالعناية والتربية، وعمل على تطهيره وتزكيته آناء الليل وأطراف النهار.

لماذا كسب القلوب أولاً؟

إن الحكمة من تقديم كسب القلوب على كسب المواقف تكمن في طبيعة كل منهما؛ فالقلوب دائمة ومستمرة، بينما المواقف مؤقتة وعابرة. قد تكسب موقفاً بكلمة حادة أو بفرض رأيك، لكنك قد تخسر قلباً للأبد. والقلب هو محل نظر الرب جل وعلا، وموطن صلاح العبد أو فساده.

في صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ». وفي الصحيحين يؤكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، إذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ». فإذا صلح القلب بالود والمحبة، تُرجم ذلك في الأفعال والمواقف بالرفق واللين.

الرفق: مفتاح القلوب وزينة الأخلاق

لكي تكسب القلوب، لا بد أن تكون راقياً مترفقاً، فالرفق سجية النبلاء، وخلق الأنبياء. انظروا كيف وصف الله نبيه الكريم بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. إن غلظة القلب تنفر الناس، بينما اللين يجذبهم.

وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». وفي صحيح مسلم: «إنّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف». بل إن الحرمان الحقيقي ليس حرمان المال، بل هو حرمان الرفق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من يُحرَم الرفق يُحرَمِ الخير كله».

التسامح والعفو: رفعة في الدنيا والآخرة

كسب القلوب يتطلب نفساً متسامحة، تعفو وتصفح، وتقابل الإساءة بالإحسان. إن كظم الغيظ والعفو عن الناس صفات يحبها الله، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

والبعض يظن أن العفو ضعف، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك، ففي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ». إن الشحناء تحجب المغفرة، ففي الحديث: «تُفتَحُ أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا».

أدب الكلمة وانتقاء الألفاظ

إن الطريق إلى كسب القلوب يمر عبر اللسان؛ فتخير ألفاظك، وانتق كلماتك بعناية، فالكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة سهم مسموم يقتل المودة. قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت».

ولقد بلغ ديننا العظيم ذروة الرقي حين أمرنا باختيار “الأحسن” لا مجرد “الحسن”، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]. إن اختيار اللفظ الأرقى يغلق أبواب الشيطان الذي ينزغ بين الناس. كن دائم الابتسامة، هين الجانب، لين القول، سهل المعاملة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرُكم بمَن يُحرَّمُ على النَّارِ، وبمَن تُحرَّمُ علَيهِ النَّارُ؟ علَى كلِّ قَريبٍ هيِّنٍ سَهلٍ».

التغافل وحسن الظن: شيم الأكابر

من أراد أن يكسب القلوب فليتغافل عن الهنات، ولا يضخم الزلات. التغافل ليس غباءً، بل هو ذكاء القلوب الراقية. قال الإمام أحمد رحمه الله: “تسعة أعشار العافية في التغافل”، وقال سفيان الثوري: “الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل”.

واحذر كل الحذر من سوء الظن، فإنه يهدم بنيان الود؛ قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]. وفي الصحيح: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا». إن المسلم الحق هو من سلم المسلمون من لسانه ويده.

الحلم والأناة في مواجهة الجهل

كسب القلوب يقتضي التحلي بالحلم، فهو سيد الأخلاق وتاج المروءة. قال تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إِنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الحِلْم، وَالأَنَاة».

إن مقتضى الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تسعى للإصلاح دائماً؛ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

وسائل عملية لسلامة الصدر وكسب القلوب

إن سلامة الصدر راحة في الدنيا قبل أن تكون نجاة في الآخرة، ولتحقيق ذلك لا بد من الأخذ بالأسباب:

1. الإخلاص لله عز وجل: فهو الأساس في كل عمل، ومجاهدة النفس على اتباع مرضاة الله؛ {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
2. تلمس الأعذار: قال أحد السلف: “إذا بلغك عن أخيك شيء، فالتمس له عذراً، فإن لم تجد فقل: لعل له عذراً لا أعرفه”.
3. الحذر من الشيطان: اعلم أن الشيطان حريص على التحريش بين المؤمنين؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.
4. صحبة القرآن: فهو الشفاء لما في الصدور؛ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}.
5. الدعاء الصادق: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «واسْلُلْ سَخِيمةَ قَلْبِي»، أي أخرج ما فيه من حقد وغل.

ختاماً، اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن مكارم الأخلاق تظهر في الشدائد. إن الذوق الرفيع في التعامل، والكلمة الحلوة التي تستبدل بها المرة، هي التي تأسر القلوب. ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. اجعلوا قلوبكم سليمة، وألسنتكم رطبة بذكر الله وبالقول الحسن، لتفوزوا برضا ربكم ومحبة خلقه.

اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *