# كنز ركعتي الفجر: لماذا هي خير من الدنيا وما فيها؟
الحمد لله ربِّ العالمين، باري الخلائق أجمعين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المحجلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
إنَّ من أعظم نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن شرع لهم من العبادات والقربات ما يرفعون به درجاتهم، ويكفرون به عن سيئاتهم، ويجملون به حياتهم في الدنيا والآخرة. ومن المعلوم في قواعد الشريعة ومقاصدها أن الأعمال الصالحة والعبادات تتفاضل فيما بينها بفضل الله وحكمته؛ فمنها ما هو عظيم، ومنها ما هو أعظم، ومنها ما اقترن به من الأجر والثواب ما لا تدركه العقول ولا تصفه الألسن.
وإن من بين تلك العبادات الجليلة التي خصها النبي صلى الله عليه وسلم بمكانة سامية، وبيّن عظيم ثوابها المترتب عليها في الآخرة، ركعتي سنة الفجر القبلية. هذه الركعات التي تعد مفتاح اليوم، وبوابة الخير، والتي أخبرنا الصادق المصدوق أنها خير من الدنيا الفانية بكل ما فيها من قصور وأموال وجاه ونعيم.
الفضل العظيم: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
لقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحرص أشد الحرص على تعليم أمته الأعمال الفاضلة، سواء في زمانها أو مكانها، وكان يربط القلوب بالآخرة عبر بيان الثواب الجزيل الذي ينتظر المؤمن الصادق. وفي شأن سنة الفجر، نجد حديثاً يزلزل القلوب ويوقظ الهمم.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَكْعَتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فِيها» (أخرجه مسلم).
تأمل يا رعاك الله في هذا اللفظ النبوي الشريف؛ «رَكعَتا الفَجرِ»، والمراد بهما هنا ركعتا السنة القبلية التي تسبق صلاة الفريضة، وهما الركعتان اللتان يُصليهما المسلم بين أذان الفجر والإقامة. هاتان الركعتان اللتان قد يغفل عنهما الكثيرون أو يتساهلون في أدائهما، هما في ميزان الله سبحانه وتعالى أثقل وأعظم من كل ما في هذه الدنيا.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها» ليس مجرد مبالغة في الكلام، بل هو حقيقة إيمانية يقينية. فالدنيا بكل ما فيها من زخارف، وبكل ما حوته من كنوز الذهب والفضة، وبكل ما فيها من لذات وشهوات، هي دنيا زائلة، فانية، منقطعة. أما الأجر والثواب المترتب على هاتين الركعتين فهو أجر باقٍ في الآخرة، ونعيم لا يحول ولا يزول. فكيف يقارن الفاني بالباقي؟ وكيف يرجح كفة ما يزول على ما يدوم؟
هدي النبي ﷺ في المحافظة على سنة الفجر
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بالقول والترغيب، بل كان القدوة العملية في المحافظة على هذه السنة العظيمة. فقد كانت سنة الفجر من آكد السنن الرواتب التي لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعها أبداً.
لقد ورد عن عائشة رضي الله عنها في وصف حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليهما قولها: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ على شيءٍ مِنَ النَّوافِلِ أَشَدَّ مُعاهَدَةً منه على رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» (أخرجه مسلم).
هذا التعبير «أشد معاهدة» يدل على التزام تام، واهتمام فائق، وحرص لا يوازيه حرص على أي نافلة أخرى. فبينما قد تفوت المسلم بعض النوافل بسبب الانشغال أو السفر، نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتزم بركعتي الفجر في كل أحواله.
سنة الفجر في السفر والحضر
من المعلوم في هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في السفر يخفف من النوافل ويقتصر على الفرائض، تيسيراً ورحمة بالأمة. ولكن ركعتي الفجر كان لهما شأن خاص؛ فلم يكن ليدعهما لا في حضر ولا في سفر، وكذلك صلاة الوتر.
يقول الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه العظيم (زاد المعاد): “وكان من هديه في سفره الاقتصار على الفرض ولم يُحفظ عنه أنه صلَّى سنَّة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من الوتر وسُنَّة الفجر، فإنه لم يكن ليدعهما حَضَرًا ولا سَفَرًا”.
ويضيف ابن القيم موضحاً عظم شأنهما: “وكان تعاهده ومحافظته على سُنَّة الفجر أشد من جميع النوافل؛ ولذلك لم يكن يدعها هي والوتر سَفَرًا وحَضَرًا، وكان في السفر يواظب على سنة الفجر والوتر أشد من جميع النوافل دون سائر السنن ولم يُنقل عنه في السفر أنه صلى سنة راتبة غيرهما”.
إن هذا الاستثناء النبوي لسنة الفجر في السفر ليدل دلالة قطعية على أن لهاتين الركعتين سراً عظيماً وفضلاً لا ينبغي للمؤمن أن يفرط فيه مهما كانت الظروف.
صفة صلاة ركعتي الفجر: التخفيف والقراءة
من كمال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤدي العبادة كما أداها، وقد كان من هديه في ركعتي الفجر التخفيف، أي عدم الإطالة فيهما، مع المحافظة على أركانهما وخشوعهما.
ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يُصلِّي رَكعتَي الفجرِ فيُخفِّفُ، حتَّى إنِّي أقولُ: هلْ قَرَأ فيهما بأُمِّ القرآنِ؟».
وهذا التخفيف مقصود، لكي يبدأ المسلم يومه بنشاط، وليستعد لصلاة الفريضة التي يُشرع فيها الإطالة في القراءة. أما ما يقرأ فيهما، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَرَأ في رَكعتَي الفجرِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}».
وفي اختيار هاتين السورتين (الكافرون والإخلاص) حكمة بالغة؛ فهما سورتا الإخلاص والبراءة من الشرك. فكأن المسلم يبدأ يومه بتجديد عهد التوحيد، وإعلان البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وتخليص قلبه لله الواحد الأحد، فيكون يومه كله قائماً على هذا الأساس المتين.
وقفات تأملية في فضل ركعتي الفجر
1. الاستثمار الرابح: حين يقول النبي ﷺ إنها خير من الدنيا، فهو يضع لنا ميزان القوى الحقيقي. فإذا فاتك ربح مادي أو صفقة دنيوية، فلا تحزن ما دمت قد أدركت ركعتي الفجر، فأنت الرابح الحقيقي.
2. بداية اليوم: إن المحافظة على هذه السنة تجعل المسلم في ذمة الله، وتمنحه طاقة روحية وسكينة نفسية ترافق طوال يومه. من بدأ يومه بما هو خير من الدنيا، فكيف سيكون حال بقية يومه؟
3. دليل الإيمان: إن القيام لصلاة الفجر وسنتها في وقت الراحة والنوم هو دليل صادق على محبة الله وتقديم أمره على راحة النفس، وهو علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين.
4. التعويض الإلهي: إن الركعتين اللتين لا تستغرقان سوى دقائق معدودة، تعوضان المؤمن عن كل نقص في حطام الدنيا، وترفعان ذكره في الملأ الأعلى.
خاتمة ودعاء
أيها المسلم الكريم، إن هذه الدقائق التي تقضيها في ركوع وسجود قبل فريضة الفجر هي أغلى ما تملك في رصيدك الأخروي. فلا تسمح للشيطان أن يثقلك عن أدائهما، ولا تجعل الدنيا بمشاغلها تنسيك هذا الكنز العظيم. استشعر وأنت تكبر للإحرام فيهما أنك الآن تحوز ملكاً أعظم من ملك ملوك الأرض، وأنك في ضيافة الرحمن، تطلب رضاه وتطمع في جنته.
نسأل الله العلي الأعلى، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. اللهم اجعلنا من المحافظين على صلواتنا، المتمسكين بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، المخلصين لك في السر والعلن. اللهم انفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً ينفعنا، واجعل عملنا كله صالحاً، ولوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد غيرك فيه شيئاً.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً