تعود مدينة كوباني، أو كما تُعرف رسمياً بـ “عين العرب”، لتصدر واجهة الأحداث الميدانية والسياسية في سوريا مجدداً، وسط تصعيد عسكري وتوترات متسارعة تضع المدينة وتاريخها تحت مجهر الاهتمام العالمي. هذا الاهتمام ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الصراعات والتحولات الجيوسياسية التي شكلت هوية هذه المدينة الحدودية الاستراتيجية.
مواجهات ميدانية تعيد المدينة إلى الواجهة
شهدت الآونة الأخيرة تصعيداً ميدانياً لافتاً؛ حيث أعلنت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن سقوط ضحايا مدنيين في قرية خراب العاشق جراء قصف نفذته قوات تابعة للحكومة الانتقالية السورية. وفي المقابل، أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري بوقوع إصابات وتدمير آليات عسكرية نتيجة خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار، تضمنت استهدافات لمواقع عسكرية بمحيط عين العرب بأكثر من 25 طائرة مسيرة، مما يعكس حساسية الموقف العسكري في المنطقة بعد التغييرات الأخيرة التي شهدتها الخارطة السورية.
لغز التسمية: بين “كوباني” الكردية و”عين العرب” العثمانية
يثير ازدواج اسم المدينة تساؤلات عديدة حول جذوره. فبينما تُعرف في الدوائر الرسمية السورية باسم “عين العرب”، يطلق عليها سكانها الأكراد ووسائل الإعلام العالمية اسم “كوباني”. يعود أصل “عين العرب” إلى التسمية العثمانية “عرب بينار” (Arappınar)، والتي تعني نبع العرب، وهو الاسم الذي استُمدت منه الترجمة العربية اللاحقة.
أما اسم “كوباني”، فتتعدد الروايات حوله، وأبرزها الرواية المرتبطة باللغة الألمانية. تشير هذه الرواية إلى أن الاسم مشتق من كلمة “كومباني” (Company)، في إشارة إلى الشركة الألمانية التي نفذت مشروع سكة حديد بغداد في بداية القرن العشرين. ورغم تشكيك البعض في دقة الاشتقاق اللغوي الألماني، إلا أن هناك رواية ثانية تربط الاسم بكلمة “بان” (Bahn) الألمانية التي تعني سكة حديد. وفي سياق مختلف، تطرح مصادر كردية رواية ثالثة تشير إلى أن الاسم يعود لمصطلح “كوم باني”، أي الاتحاد الأعلى، وهو تحالف عشائري كردي قديم في المنطقة.
سكة حديد بغداد: كيف رسمت ألمانيا ملامح المدينة؟
لم تكن كوباني مدينة قديمة بالمعنى التقليدي، بل ارتبط نشوؤها بمشروع طموح في عهد الدولة العثمانية: “سكة حديد بغداد”. هذا المشروع الذي موّلته ونفذته شركات ألمانية كان يهدف لربط برلين ببغداد عبر إسطنبول وشمال سوريا. وفي عام 1912، أنشأ الألمان محطة قطار في هذا الموقع، لتتحول تدريجياً إلى تجمع سكاني استقطب العائلات الكردية والأرمنية النازحة من المذابح عام 1915، بالإضافة إلى القبائل العربية التي كانت تستقر في محيط نهر الفرات.
كوباني في مهب الاتفاقيات الدولية
بعد الحرب العالمية الأولى، رسمت اتفاقية أنقرة عام 1921 الحدود بين تركيا وسوريا الواقعة تحت الانتداب الفرنسي حينها. مر خط الحدود مباشرة عبر سكة الحديد، مما أدى إلى انقسام البلدة؛ حيث أصبح الجزء الشمالي (مرشد بينار) تابعاً لتركيا، وبقي القسم الأكبر جنوباً ضمن الأراضي السورية. ومع نيل سوريا استقلالها عام 1946، تحولت كوباني إلى مركز إداري لمحافظة حلب، وشهدت نمواً عمرانياً وسكانياً ملحوظاً، مع بقاء هويتها الكردية الغالبة حاضرة بقوة.
ملحمة 2014: نقطة التحول ضد تنظيم الدولة
دخلت كوباني التاريخ العسكري المعاصر من أوسع أبوابه في نهاية عام 2014، عندما شن تنظيم الدولة الإسلامية هجوماً واسعاً للسيطرة عليها. تحولت المدينة إلى رمز للصمود العالمي ضد الإرهاب، حيث خاض المقاتلون الأكراد حرب شوارع شرسة بدعم جوي من التحالف الدولي بقيادة واشنطن. وبعد معارك دامت أشهراً، تم الإعلان عن تحرير المدينة في يناير 2015، وهو ما اعتبره المراقبون بداية الانكسار الفعلي لمشروع التنظيم في المنطقة.
تحولات ما بعد 2019 والوضع الراهن
في عام 2019، ومع انطلاق العمليات العسكرية التركية في الشمال السوري، دخلت القوات الحكومية السورية والشرطة العسكرية الروسية إلى المدينة بموجب تفاهمات مع “قسد” لمنع السيطرة التركية عليها، وهو ما عُرف باتفاقيات سوتشي. ومع سقوط النظام السوري مؤخراً وتغير موازين القوى، دخلت كوباني مرحلة جديدة من الغموض السياسي، حيث انسحبت القوات الروسية، وعادت المدينة لتكون نقطة تماس ساخنة بين الفصائل المدعومة تركياً والمقاتلين الأكراد، مما يجعل مستقبلها مرتبطاً بشكل وثيق بالتفاهمات الإقليمية الكبرى القادمة.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً