في 21 مايو، هزت منصات التواصل الاجتماعي عاصفة من الأخبار الزائفة، مدعية وقوع "انقلاب عسكري" في كوت ديفوار. صور ومقاطع فيديو انتشرت بسرعة البرق على "إكس" و"تيك توك" و"فيسبوك"، أقنعت الكثيرين بصدق الرواية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الحاسمة في أكتوبر.
لكن تحقيقًا معمقًا أجرته "وكالة سند" كشف عن حقيقة مغايرة تمامًا: لم يكن ما حدث سوى حملة تضليل رقمية مُحكمة التنظيم، انطلقت من شبكات خارجية بهدف تضخيم قصة الانقلاب المزعوم عبر استخدام محتوى مُفبرك ومنصات متعددة التأثير.
تفاصيل الحملة الرقمية: خيوط المؤامرة تتكشف
رصدت "سند" ما يزيد عن 7 آلاف تغريدة احتوت على الكلمة المفتاحية "Ivory Coast" في غضون يوم واحد فقط (21-22 مايو). وباستخدام أدوات تحليل البيانات المتقدمة مثل NodeXL وGephi، تم تتبع حوالي 4689 حسابًا ساهمت في نشر الشائعة أو تضخيمها.
المحتوى الزائف: صور وفيديوهات من خارج السياق
كشف التحليل أن جزءًا كبيرًا من الصور والفيديوهات المتداولة لا علاقة له بكوت ديفوار. بعضها كان يعود إلى مشاهد قديمة في كينيا وطرابلس، بينما تبين أن البعض الآخر مقتطفات من فيلم "حرب العوالم" الذي تم تصويره في استوديوهات "يونيفرسال" الأمريكية.
من يقف وراء التضليل؟
الأكثر إثارة للدهشة أن الحسابات الأكثر تأثيرًا في نشر هذه المزاعم لم تكن مرتبطة بكوت ديفوار، بل كانت متمركزة في دول مثل كينيا وجنوب أفريقيا ونيجيريا. من بين هذه الحسابات:
- @africandemoc: يديره محمد فيفا داغ، سياسي جنوب أفريقي من أصول تركية، يروج لخطاب "تحرير أفريقيا من الأنظمة الموالية لفرنسا".
- @Mabonga_254: عضو في جماعة "Kenya on Twitter (KOT)" المعروفة بحملات الضغط الرقمي الممنهجة.
تُظهر البنية الشبكية لهذه الحسابات توزيعًا للأدوار في تضخيم الشائعة، من خلال نشر محتوى زائف وتنسيق مُحكم.
إعادة تدوير المحتوى: تكتيك قديم بحلة جديدة
اعتمدت الحملة على إعادة تدوير محتوى بصري سبق نشره في سياقات مختلفة، مثل:
- صور احتجاجات كينيا لعام 2024.
- فيديوهات من طرابلس.
- لقطات احتفال بفوز منتخب كوت ديفوار بكأس الأمم الأفريقية 2023.
يشير هذا إلى محاولة مُمنهجة لخلق سردية انقلابية وهمية، بهدف إثارة الفوضى والتأثير على الرأي العام، على المستويين المحلي والدولي.
تداعيات الحملة: زعزعة الثقة وتأجيج التوترات
على الرغم من النفي الرسمي من الحكومة وظهور الرئيس الحسن واتارا في مناسبات عامة، نجحت الحملة الرقمية في إثارة جدل سياسي واسع، مستغلة حالة الاحتقان في البلاد بعد استبعاد المعارض تيجان تيام من الترشح للرئاسة.
خطر حروب المعلومات الرقمية في أفريقيا
يعكس هذا الحدث تصاعد خطر حروب المعلومات الرقمية في أفريقيا، حيث باتت الشائعة المصطنعة قادرة على زعزعة الثقة بالمؤسسات وإشعال التوترات دون أي وقائع حقيقية على الأرض.
مستقبل كوت ديفوار: بين السياسة والتقنية
مع اقتراب الانتخابات، تظل كوت ديفوار مهددة ليس فقط بالتوترات السياسية، بل أيضًا بحملات رقمية تستهدف تزييف الوعي العام. تتشابك السياسة بالتقنية، وتختلط السرديات الزائفة بالواقع الهش.
التحدي القادم: مواجهة "الانقلابات الرقمية"
هل تملك الحكومات وهيئات الانتخابات في غرب أفريقيا ما يلزم لمواجهة هذا النوع الجديد من "الانقلابات الرقمية"؟ سؤال قد تكشف الشهور المقبلة بعضًا من إجاباته.


اترك تعليقاً