كيف تتجاوز وهم البلاء الأبدي؟ دليل الصبر على البلاء

# فخ الموجة السوداء: كيف تخرج من حصار الألم إلى سعة الرضا؟

مقدمة: طبيعة الدنيا وتقلب الأحوال

تُعد الحياة الدنيا مضماراً للاختبار، ومحطة مليئة بالتقلبات التي لا تستقر على حال. فبينما يرفل الإنسان في ثياب العافية، قد يباغته القدر بما لا يشتهي، ليرديه في أتون تجربة قاسية. إن هذه اللحظات الفاصلة هي التي تشكل جوهر الاختبار الإنساني، حيث يجد المرء نفسه فجأة أمام ما يسمى بـ “الموجة السوداء”.

تأتي هذه الموجة حين تصاب ببلاء ما؛ قد يكون مرضاً ينهك الجسد، أو فقداً لحبيب يمزق نياط القلب، أو أسراً وحبساً يقيد الحرية، أو ضيقاً في الرزق يكدر الصفو. في تلك اللحظة، تغمرك موجة بؤس نفسية سوداء داكنة، تكتسح في طريقها كل ذكريات العافية، حتى كأنك لم تكن في نعمة قط، وكأن هذا البلاء الذي أصابك صار قدراً سرمدياً أبدياً لا زوال له ولا انفكاك منه.

وهم الأبدية: الفخ النفسي الأكبر

عندما تشتد الأزمة، يقع الكثيرون في فخ ذهني خطير، وهو “وهم الأبدية”. يتصور العقل تحت وطأة الألم أن هذه اللحظة المريرة هي نهاية التاريخ، وأن المعاناة لن تنتهي. هذا التصور ليس مجرد شعور عابر، بل هو فخ حقيقي يسقط فيه الإنسان عندما يغيب عنه فقه التحول والزوال الذي يحكم الكون.

في هذه المرحلة، أنت تقف أمام خيارين لا ثالث لهما، وكل خيار سيحدد مسار حياتك النفسية والأخروية:

الخيار الأول: الاستسلام والجزع (الألم المجاني)

الخيار الأول هو أن تستسلم لهذه الموجة البائسة، فتترك لها العنان لتجرفك إلى قاع اليأس. هنا يبدأ الإنسان بالجزع، وربما يصل الأمر إلى السخط أو الأفعال التي لا تليق بالمؤمن مثل اللطم أو الاعتراض على القدر. بعبارة أخرى، أنت هنا تسقط في فخ وهمٍ مضمونه: “هذه الموجة أبدية.. لا نهاية لها”.

إن مأساة هذا الخيار تكمن في أنه يولد ألما شديداً، ولكن المشكلة الأكبر والمصيبة العظمى أنه “ألم مجاني”. هو ألم بلا احتساب، بلا أجر، وبلا ثمرة. لقد تعذبت في الدنيا، وضيعت بصبرك المفقود ثواب الآخرة، فخرجت من المحنة خالي الوفاض، مثقلاً بالهموم والآثام.

الخيار الثاني: الوعي والاحتساب (الألم المثمر)

بقي الخيار الثاني، وهو مسلك العقلاء وأهل الإيمان. في هذا المسار، ستتألم بلا شك، وستتضايق، فالحزن شعور فطري لا يمكن إلغاؤه. أنت في النهاية بشر، ولست حجراً صلداً، وقد قيل لخير البشر صلى الله عليه وسلم في محكم التنزيل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}.

لكنك مع هذا الألم، وبعون الله وتوفيقه، لن تنطلي عليك خدعة السرمدية. لن تصدق الكذبة التي تقول: “هذه الموجة أبدية.. لا نهاية لها”. ستعرف يقيناً أن موجة الألم مؤقتة، وأنها سحابة صيف عما قليل تقشع.

حقيقة الدنيا وزوال البلاء

إن التأمل في حقيقة الوجود يمنحنا القوة لمواجهة البلاء. فإذا كانت الدنيا كلها ليست أبدية بل هي فانية زائلة، بل إن البعض سيقسم يوم القيامة أنها لم تكن سوى ساعة من نهار، فكيف يكون بلاؤك أنت أبدياً؟ إن كان الكل مؤقتاً، أفلا يكون الجزء (وهو بلاؤك) مؤقتاً بالضرورة؟

علاوة على ذلك، فإن البلاء في حقيقته لا يستغرق عمرك كله، بل هو يستغرق جزءاً يسيراً منه، مهما بدا طويلاً في لحظات الضيق. في الخيار الثاني، أنت تتألم ولكن مع احتساب الأجر عند الله. أنت تعيش الواقع بآلامه، لكن خواطرك تخترق حاجز الزمن لتصل بك إلى أحداث يوم القيامة. هناك، حيث ترى فرحتك بثمرة صبرك، وحيث يتجلى رضا الله عنك. في تلك اللحظة، سيذهب الألم والتعب، ويبقى الفرح والطرب الأبدي.

الفرق بين الألمين: شتان بين الثرى والثريا

إن الفرق بين ألم المستسلم وألم الصابر المحتسب كبير جداً من حيث الشدة والتأثير:
1. ألم الجزع: زاده الإحباط واليأس بؤساً فوق بؤس، وجعل وطأته على النفس كالجبال الرواسي.
2. ألم الصبر: خفف وطأته النظر إلى الثواب المرجو، وتوقع انتهاء الموجة، واليقين بأنها عارضة وليست مستقرة.

كيف نصل إلى رتبة الصبر والاحتساب؟

قد يقول قائل: “هذا الكلام نظري وسهل، لكن كيف أطبق ذلك واقعياً عند اشتداد الكرب؟”. إليك أهم الزاد الإيماني والنفسي الذي يوصلك إلى مرتبة الخيار الثاني:

أولاً: تلاوة القرآن الكريم بتأمل

القرآن ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل هو نور للقلب وضياء للبصيرة. عندما تقرأ القرآن بتدبر، ستجد قصص الأنبياء وكيف واجهوا الأمواج السوداء بيقين، وستجد الوعود الإلهية التي تضمد الجراح.

ثانياً: الانشغال بالصالحات والذكر

الفراغ هو البيئة الخصبة لنمو الأوهام السوداء. انشغل بالعمل الصالح، واجعل لسانك رطباً بذكر الله. الذكر هو الحبل المتين الذي يربط قلبك بالسماء، فيسكن اضطرابك وتطمئن نفسك.

ثالثاً: التيقن من طبيعة الموجة

يجب أن ترسخ في عقلك الباطن حقيقة أنك في موجة مؤقتة لا دائمة. لا تكن أسير وهم الأبدية والسرمدية. قل لنفسك في كل لحظة ألم: “هذا الوقت سيمر”.

رابعاً: استثمار الوقت في الطاعة

بما أن هذا الوقت سيمر لا محالة، فمن الحكمة والذكاء أن يمر وهو محمل بالحسنات والطاعات الباقية. اجعل هذه الفترة الصعبة رصيداً يسعدك في الحياة القادمة التي هي فعلاً أبدية.

خامساً: الدعاء الدائم

الدعاء هو سلاح المؤمن، وهو الصلة المباشرة مع من بيده ملكوت كل شيء. اطلب من الله الثبات، واطلب منه أن يريك الحق حقاً ويرزقك اتباعه، وأن يربط على قلبك كما ربط على قلوب الصالحين.

هل هو وهم نفسي أم مكيدة شيطانية؟

قد يتساءل البعض عن مصدر هذا الشعور باليأس والأبدية في المعاناة. الحقيقة أنها مزيج بين حيلة نفسية تصنعها النفس الضعيفة تحت الضغط، وبين مكيدة شيطانية خبيثة. فالشيطان حريص على أن “يحزن الذين آمنوا”، وهو يسعى بكل قوته ليكدر عليك دنياك بالجزع، وآخرتك بضياع الأجر.

خاتمة: واجه الموجة بعقيدة

أيها المبتلى، احذر المكيدة، ولا تترك نفسك نهباً للأوهام. واجه الموجة السوداء بابتسامة الرضا وعقيدة اليقين. تذكر أن الفرج قريب، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وصبر صبراً جميلاً.

أبشر يا طيب، فإنما هي ساعات وتنقضي، لتجد نفسك أمام عطاء إلهي ينسيك كل مرارة ذقتها. اجعل شعارك دائماً: “ألمٌ مؤقت.. لأجرٍ مؤبد”.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *