# رسالة إيمانية إلى كل موظف مسلم: كيف تجعل عملك طريقاً إلى الجنة؟
مقدمة: الوظيفة مِحراُب عبادة وأمانة استخلاف
أخي الموظف المسلم، يا من استخلفك الله في ثغر من ثغور المسلمين، ويا من جعل الله على يديك قضاء مصالح العباد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إننا حين نتحدث عن الوظيفة، فإننا لا نتحدث عن مجرد ساعات نقضيها خلف المكاتب لننال في ختام الشهر أجراً مادياً، بل نتحدث عن “مهمة رسالية” وعن وسيلة شريفة للكسب النظيف، وعن باب عظيم من أبواب القربى إلى الله جل في علاه.
إن الموظف المسلم يدرك يقيناً أن كل لحظة يقضيها في عمله هي جزء من عمره الذي سيُسأل عنه، وهي أمانة وُضعت في عنقه. فما من موظف إلا وهو مسؤول عن رعيته، ومؤتمن على مصلحة من مصالح المسلمين. لذا، كان لزاماً على كل لبيب أن يجعل من وظيفته طاعة لمولاه، وعبادة يتقرب بها إليه سبحانه وتعالى، مستحضراً أن الأعمال بالنيات، وأن المرء يُثاب على نية الخير كما يُثاب على العمل نفسه؛ كما أخبر بذلك معلم الناس الخير صلى الله عليه وسلم.
في هذه السطور، نُبحر معاً في رسالة مخلصة، نذكر فيها بالحق، ونتواصى فيها بالصبر، لتكون وظيفتك شاهداً لك لا عليك يوم العرض الأكبر.
أولاً: طيب الكسب واختيار العمل المباح
أولى خطوات النجاح والبركة في حياة الموظف المسلم تبدأ من اختيار نوع العمل. فاحرص -رعاك الله- أن يكون عملك شريفاً، طيباً، مباحاً في أصله وفي تفاصيله. إن العمل الذي لا يتعارض مع تعاليم الدين الحنيف وقيمه الكريمة هو العمل الذي تُرجى بركته ويُحمد أثره.
تذكر دائماً قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]. إن التقوى في طلب الرزق هي المفتاح الحقيقي للغنى النفسي والمادي. وإياك ثم إياك والوقوع في شباك العمل الحرام، أو تلك الأعمال التي تحوم حولها الشبهات.
إن المال الحرام، وإن كثُر في الأرقام، فهو قليل في ميزان البركة، خبيث في عاقبته، ومنبت للسوء في الأهل والولد. وقد صحَّ عن النعمان بن بشير أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الحلال بيـِّنٌ، وإن الحرام بيـِّن، وبينهما أُمورٌ مُشتبهات…» [رواه أبو داود]. فالمسلم الفطن هو من يستبرئ لدينه وعرضه، ويبتعد عن كل ما يخدش نقاء كسبه.
ثانياً: الإتقان.. شعار الموظف المحب لربه
أخي الموظف، إن عين الله ترقبك في كل حين، فاجعل رقابة الله عز وجل هي المحرك الأساسي لأدائك. لا تجعل رقابة المدير أو كاميرات المراقبة هي الدافع الوحيد للعمل، بل اجعل شعارك “الإحسان”.
لقد رُوي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» [رواه أبو يعلى]. تأمل في كلمة “يحب”؛ فإتقانك لملف، أو دقة بياناتك، أو سرعة إنجازك لمعاملة، هي أسباب لجلب محبة الله لك.
إن جلوسك في مكتبك بنية صالحة وقضاء حوائج المراجعين ليس ضياعاً للوقت، بل هو صلاة في محراب الواجب، وذكر لله بالعمل. فمتى ما صلحت نيتك واحتسبت التعب والنصب عند الله، تحولت ساعات الدوام إلى رصيد ضخم من الحسنات.
ثالثاً: المنصب مغرم لا مغنم
من المفاهيم المغلوطة التي قد تقع في نفس بعض الموظفين، أن المنصب أو الكرسي هو وسيلة للوجاهة أو التسلط أو تحقيق المصالح الشخصية. لكن الحقيقة في ميزان الإسلام أن المسؤولية “مغرم” وليست “مغنماً”.
إن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، ولن يكون وسيلة للسعادة الحقيقية إلا إذا جعلته لله سبحانه وتعالى، وسخرته لخدمة عباده. فاصرف نظرك عن الظن بأن المركز الوظيفي هو غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لاختبار أمانتك وقدرتك على العدل والإنجاز.
رابعاً: الأمانة في الوقت والحضور والانصراف
الوقت هو رأس مال الموظف، وهو العقد المبرم بينك وبين جهة عملك. لذا، فإن المحافظة على مواعيد الحضور والانصراف ليست مجرد إجراء إداري، بل هي التزام شرعي وأخلاقي.
إياك والتساهل في التأخير أو التغيب بغير عذر شرعي قاهر؛ فكل دقيقة تتقاضى عنها أجراً دون أن تقدم فيها عملاً هي ثلمة في أمانتك. تذكر أنك راعٍ في وظيفتك، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته. إن الموظف الذي يحسن أداء عمله ويحترم وقته، يُجزى خيراً في الدنيا والآخرة، أما المقصر فإنه يعرض نفسه للحساب والعقاب، والعياذ بالله.
خامساً: قضاء حوائج الناس.. بابك إلى تفريج الكربات
أخي الموظف، قد يأتيك المراجع وهو يحمل همّاً، أو يسعى في حاجة ضرورية، فكن أنت المفتاح للخير. إن تعطيل مصالح المسلمين أو المماطلة في قضاء حوائجهم مع القدرة على ذلك هو أمر خطير.
تأمل في وعيد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «من ولَّاه الله شيئًا من أمر المسلمين، فاحتجب دون خلتهم وفقرهم، احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره» [رواه أبو داود]. فهل يطيق أحدنا أن يحتجب الله عنه في وقت حاجته وفقره؟
إن في قضاء حوائج الناس تفريجاً لكربك أنت، وتيسيراً لأمورك المتعسرة، ومدعاة لاستجابة دعوات المراجعين لك بظهر الغيب. وكما قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يُعدم جوازيه … لا يذهب العُرف بين الله والناس
سادساً: الرفق واللين وحسن الخلق مع المراجعين
كن سهلاً ليناً، حبيباً لطيفاً في تعاملك مع مرؤوسيك ومع المراجعين على حد سواء. إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه. قدم يد العون في حدود النظام والتعليمات، ويسّر على الناس ما استطعت.
تذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم العظيم: «اللهم من وَلِيَ من أمر أُمتي شيئًا فشَقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن وَلِيَ من أمر أُمتي شيئًا فرَفَق بهم، فارفق به» [رواه مسلم]. فكن ممن يشملهم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق، ولا تكن ممن يشملهم دعاؤه بالمشقة.
إن حسن الخلق يتجلى في كلمة طيبة، وفي استقبال المراجع بوجه طلق، وفي توديعه بأحسن منها. أنزل الناس منازلهم، واحترم الشبير لسنه، والعالم لعلمه، وعوّد نفسك على البشاشة والابتسامة مهما بلغت ضغوط العمل. وإياك وإخلاف الوعود؛ فإذا وعدت مراجعاً بموعد، فاجتهد في الوفاء به. واحرص ألا يخرج أحد من مكتبك إلا وهو راضٍ عن خلقك، وإن لم تُقضَ حاجته لمانع نظامي. تذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «لا تَـحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقـى أخاك بوجهٍ طلقٍ» [رواه مسلم].
سابعاً: الصلاة أولاً.. بركة الوقت والعمل
أخي الموظف، احذر كل الحذر أن يشغلك العمل مهما بلغت أهميته عن أداء الصلاة في وقتها. إن إجابة نداء “حي على الصلاة” هي الوقود الحقيقي الذي يمدك بالنشاط والبركة لإكمال عملك.
عود نفسك على التبكير للصلاة، واجعلها محطة للاستراحة الروحية والصلة بالله. تذكر أنه لا خير في عمل يقطع صلتك بخالقك، أو يؤخرك عن أداء فريضتك. فإذا فرغت من صلاتك، فعد إلى مكتبك بنشاط، وإياك وإضاعة الوقت بعد الصلاة في أحاديث جانبية لا طائل منها، حتى لا يتعطل سير العمل وتضيع حقوق الناس.
خاتمة: نية صالحة لحياة طيبة
في الختام، تذكر أيها الموظف المبارك أن كل لحظة التزام، وكل قطرة عرق، وكل ابتسامة في وجه مراجع، هي لبنة في بناء آخرتك. إن محافظتك على أمانة الوظيفة هي طاعة كبرى تتقرب بها إلى الله، متى ما استحضرت النية الصالحة واحتسبت الأجر عند الله جل في علاه.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يصلح لنا ولكم الأقوال والأفعال والنيات، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا التوفيق والسداد في كل خطوة، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً