كيف تستثمر رمضان؟ 7 خطوات عملية للربح العظيم في شهر الخير

# رمضان موسم الربح العظيم: دليل التخطيط الإيماني والتهيئة النفسية

الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام عبرة لأولي الألباب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الذي كان أجود ما يكون في رمضان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

إن المتأمل في ملكوت الله يدرك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لبعض الأزمان فضلاً على بعض، ولبعض الأمكنة قدسية على غيرها، ومن أعظم هذه الأزمان قدراً، وأرفعها شأناً، شهر رمضان المبارك. إنه ليس مجرد شهرٍ ينقضي، بل هو موسمٌ ربح عظيم، وميدانٌ يتسابق فيه الصالحون لنيْل رضوان الله وجنته.

رمضان.. السوق الإيمانية الكبرى

رمضان هو شهرُ الصيام والقيام، وميدانُ القرآن والذكر والدعاء، وهو زمن البذل والجهاد في سبيل الله، وفي طياته تكمن ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. في هذا الموسم الكريم، تُضاعف الحسنات، وتتنزّل الخيرات من السماء، وتُستدرّ البركات التي تملأ الأركان، وتفيض الرحمات على قلوب العباد، وتُمحى الزلات التي أثقلت الكواهل، وتكثر فيه عِتقُ الرقاب من النيران بفضل الله ومنّته.

ولكن، وككل موسمٍ عظيم في دنيا الناس، فإن الأرباح لا تُنال مجازفة، والغايات الكبرى لا تُدرك ارتجالاً. إن التاجر اللبيب لا يدخل سوقاً كبرى دون دراسة وتخطيط، فكيف بعبدٍ يرجو تجارةً لن تبور مع ملك الملوك؟ من أراد الغنمَ الكبير في رمضان، احتاج إلى تخطيطٍ واعٍ، وتهيؤٍ نفسيٍّ يليق بعظمة الشهر، وإعدادٍ عمليٍّ يسبقه بمدة كافية. وإلا، فقد يمرّ به الموسم وهو لاهٍ، فلا يدخله حقيقةً بقلبه، وإن دخله بجسده لم يُحسن دوام المقام فيه، وإن أتمّه خرج منه صِفر اليدين، دون ذلك الربح الوفير الذي كان يأمله ويُمنّي نفسه به.

لذا، كان لزاماً علينا أن نضع معالم واضحة للاستعداد لهذا الشهر الكريم، مستمدين ذلك من هدي الكتاب والسنة وسير السلف الصالح.

أولاً: معركة النية وتجديد الإخلاص

إن أول عتبة في طريق الاستعداد لرمضان هي تصحيح النية وتجديدها. يجب على العبد أن يُقبل على الشهر وقد طهّر قلبه من شوائب الرياء وحب الظهور، وصحّح نيته قبل الدخول في الصيام، ثم يلازم تجديد هذه النية في كل ليلة وفي كل عمل.

إن الإخلاص، وإن سهل تصوّره باللسان، فإنه من أعسر الأمور تحقيقاً في الواقع؛ لأن النوايا متقلّبة، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. لا تستقيم النية للعبد إلا بمجاهدةٍ صادقة، ومراقبةٍ واعية لكل حركة وسكنة، وافتقارٍ دائم إلى الله تعالى بأن يرزقه الإخلاص.

فالعبد أحوج ما يكون إلى توفيق الله وتسديده في كل لحظة، فمهما بلغت قوته وعزيمته، فإنه ضعيف بنفسه قوي بربه. وكما قيل قديماً:

*إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى .. فأولُ ما يجني عليه اجتهاده*

فاجعل نيتك في رمضان خالصة لوجه الله، لا لتنال ثناء الناس، ولا لتوافق عادات المجتمع، بل إيماناً واحتساباً.

ثانياً: تعظيم الله.. روح العبادة وأصلها

من أعظم وجوه الاستعداد أن يستقر تعظيم الله في القلب غايةَ التعظيم. أن تستقبل الشهر وربُّك جلّ في علاه هو أعظمُ محبوبٍ لديك، وأجلُّ مقصودٍ ترجوه. إن تعظيم الله هو أصل العبادة وروحها النابض، وهو المحرك الأقوى لدوافع الطاعة في النفس البشرية.

فالمحبّ لمن يحب مطيع، ومن عظّم الله حقّ تعظيمه هابه ورجاه في كل حال، وكثر ذكره له بلسانه وقلبه، واشتدّ حرصه على مرضاته، وصار الله أحبَّ إليه من كل ما سواه. حين يعظم الله في قلبك، ستصبح صلاة التراويح لذة لا عبئاً، وسيكون الجوع والعطش برداً وسلاماً على نفسك لأنك تتركهما لأجل العظيم سبحانه.

ثالثاً: التدرّب العملي.. مضمار السباق قبل رمضان

لا يمكن لعدّاء أن يفوز في سباق عالمي دون تدريبات شاقة تسبق يوم المنافسة. وكذلك العبادة، تحتاج إلى تدرّب عملي قبل حلول رمضان. إن من أعظم الأخطاء أن يدخل العبد رمضان وهو منقطع عن الصيام والقيام وتلاوة القرآن طوال العام، ثم يريد أن يختم القرآن كل ثلاث ليالٍ ويقوم الليل كله في أول يوم!

يجب أن تُدرّب نفسك على أعمال الشهر في شعبان وما قبله، حتى إذا أقبل رمضان وجد نفسه مهيّأة، والعبادة عليه يسيرة، والإتقان حاضراً في قلبه وجوارحه. إن من لم يتهيّأ للسباق قبل حينه، لم يكن من السابقين فيه، ولا من الظافرين بجائزته الكبرى. ابدأ بصيام النوافل، وأطل في صلاة الليل شيئاً فشيئاً، واجعل لك ورداً قرآنياً ثابتاً لتعتاد عليه.

رابعاً: التفقّه في أحكام الصيام وهديه

العبادة بلا علم كبناء بلا أساس. من الضروري جداً التفقّه في أحكام رمضان وآدابه ومستحبّاته. يجب على المسلم أن يعرف ما هي مبطلات الصيام، وما هي المكروهات التي تنقص الأجر، وما هي السنن التي ترفع الدرجات.

لا يقتصر الفقه على الصيام فحسب، بل يتعداه لتعلم أحكام القيام، والاعتكاف، وفضل الذكر، وآداب الدعاء، وكيفية تلاوة القرآن بتدبر، وفقه البذل والإحسان. كما يجب مطالعة الهدي النبوي الشريف في رمضان؛ فالمتابعة للنبي ﷺ شرط أساسي في قبول العمل كما هو الإخلاص. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».

فالعلم يصحح المسار، ويجعل العبد يعبد الله على بصيرة، فيتجنب الوقوع في المحظورات التي قد تفسد صومه وهو لا يشعر.

خامساً: الرفقة الصالحة.. وقود الهمة

في رحلتك نحو الله في رمضان، أنت بحاجة إلى رفقةٍ تعينك على تصفية النية، وتكميل العمل، ومحاسبة النفس ومجاهدتها، والاستكثار من الخير. إن الصاحب ساحب، والمرء على دين خليله كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ.

اختر من الأصدقاء من إذا فترت همتك ذكرك، وإذا نسيت أعانك. وليحذر العبد كل الحذر من صحبة “البطّالين”، وهم الذين لا يعينون على دينٍ ولا دنيا، بل يقتلون الأوقات في القيل والقال والمشاهدات التي لا نفع فيها.

كثير من الناس يحذرون من صحبة أهل المعاصي الظاهرة، وهذا حسن، لكنهم يغفلون عن خطر “مبدّدي الأوقات”، ومن لا نفع في مجالستهم؛ فهؤلاء يسرقون منك أثمن ما تملك في رمضان: وهو الوقت. فاجعل صحبتك في هذا الشهر مع القرآن، ومع الصالحين، ومع أهل الهمم العالية.

سادساً: فقه الأولويات ورعاية حال القلب

ليس الشأن في كثرة العمل فحسب، بل الشأن في إتقان العمل وحضور القلب. يجب على المسلم أن يركّز على الأعمال التي يجد قلبه فيها أقبل على الله تعالى، ويرى إخلاصه فيها أتم، وانتفاعه منها أعظم.

عليك أن توازن بذكاء إيماني بين الإكثار والإتقان، وبين التلاوة والتدبر، وبين الإطالة في القيام والخشوع فيه، وبين العزلة للخلوة بالله والخلطة لنفع الناس. ليكن أعظم همّك هو إقامة الفرائض على أكمل وجه؛ فإن التفريط في الفريضة لا يجبره ألف نافلة. ثم اشتغل بعد ذلك بما ينفعك وما يرضي ربك عنك، واترك ما لا يعنيك.

كما ينبغي أن يتفقّه العبد في رُتب الأعمال؛ فقد تكون طاعةٌ ما فاضلة في الأصل، لكنها في حقك أنت مفضولة لأن غيرها أنفع لقلبك أو أوجب لحالك. فمثلاً، قد يكون طلب العلم في حق شخص أفضل من نافلة الصلاة، وقد يكون إطعام الطعام في حق آخر أفضل من الاعتكاف، وهكذا.

سابعاً: سد الثغرات ومعرفة مداخل الشيطان

حتى في رمضان، حيث تُصفد الشياطين، يبقى للنفس أهواؤها وللشيطان وسوساته التي قد تسبق تصفيده أو تنفذ عبر ثغرات الغفلة. لذا، يجب على العبد معرفة مداخل الشيطان إليه، وسدّ تلك الثغرات التي ينفذ منها لإفساد الصوم أو تشتيت القلب.

سد ثغرة الغضب، وسد ثغرة اللسان (الغيبة والنميمة)، وسد ثغرة العين (النظر للمحرمات)، وسد ثغرة البطن (الإسراف في الطعام والشراب). مع لزوم الاستعاذة بالله آناء الليل وأطراف النهار؛ فإن من استعاذ بالله بصدق أعاذه، ومن طلب من الله الحفظ حفظه.

الخاتمة: دعاء واستبشار

إن رمضان فرصة قد لا تتكرر، وموسم قد لا ندركه مرة أخرى. فالعاقل من شد مئزره، وأعد عدته، وأقبل على ربه بقلب سليم.

اللهم بلّغنا رمضان بقلوبٍ معظِّمة لك، ونفوسٍ مخلِصة في عبادتك، وهمة عالية تناطح السحاب، وأعمالٍ متقبَّلة ترفعنا بها درجات. اللهم لا تجعل حظّنا من هذا الشهر مجرد تقليد الناس بغفلة، ولا مجرد جوع وعطش، واكتبنا فيه من عبادك المخلصين، وعتقائك من النار.

والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *