مقدمة: في رحاب القيومية الإلهية
يقف الإنسان المعاصر أمام اتساع الكون وتعدد مساراته في حالة من الدهشة المشوبة بالقلق؛ فالعالم الذي نعيش فيه يتسم بالتغير المستمر والتحول الدائم، مما يولد في النفس تساؤلات وجودية حول سر الاستقرار في ظل هذا التبدد. هنا تبرز كَوْسْمُولُوجْيَا القِيَامِ الـمُطْلَق كإطار معرفي إيماني مستمد من الوحيين، لتكشف لنا أن هذا الكون ليس متروكاً لذاته، بل هو محمولٌ بكلمة الله، مستمدٌ بقاؤه من صفة (القيومية) التي تنفي عن الخالق سُنة الغفلة أو الانقطاع.
إن اسم الله (القيوم) ليس مجرد لفظ للتعبد، بل هو المحور الذي تدور حوله ميكانيكا الاستمرارية الكونية، وهو الترياق الذي يرمم تصدعات الروح أمام هواجس الانهيار الوجودي. قال تعالى في أعظم آية في كتابه: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة: 255].
أولاً: مفهوم القيومية وميكانيكا الاستمرارية الكونية
في اللغة، (القَيُّوم) هو صيغة مبالغة من (القائم)، وهو الذي قام بنفسه فلا يحتاج إلى غيره، وقام بغيره فكل ما سواه محتاج إليه. هذه الثنائية في المعنى -الاستغناء الذاتي والافتقار الكلي للمخلوقات- هي التي تضمن للكون استمراره.
إن ميكانيكا الاستمرارية الكونية لا تعتمد على قوانين مادية صماء كما تروج المدارس المادية، بل هي قائمة على الإمداد الإلهي اللحظي. فلو انقطع إمداد اسم (القيوم) عن ذرة واحدة في هذا الكون لتلاشت في العدم. يقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر: 41].
تشير هذه الآية إلى أن “الإمساك” الإلهي هو عملية مستمرة ودائمة، وليست مجرد دفعة أولى للحركة. القيوم هو الذي يدبر شؤون السماوات والأرض، وهو الذي يمنح كل موجود قوامه وصورته وبقاءه، وهذا ما نسميه بـ “القيام المطلق” الذي لا يعتريه وهن ولا يلحقه تعب.
ثانياً: ترميم مِعْمَارِ الثَّبَاتِ الرُّوحِيِّ
يعيش الإنسان في عالم مائج بالاضطرابات، حيث يشعر أحياناً أن أركان حياته الشخصية تتهاوى، سواء بفقد عزيز، أو خسارة مال، أو تقلب حال. في هذه اللحظات، يأتي اسم الله (القيوم) ليكون الركن الشديد الذي يأوي إليه المؤمن. إن إدراك المؤمن بأن الله (قائم) على كل نفس بما كسبت، وأنه سبحانه هو المدبر الوحيد لكل تفاصيل الوجود، يعيد ترميم معمار الثبات في قلبه.
الثبات الروحي يتحقق حين يوقن العبد أن استمرارية حياته ورزقه ونَفَسه ليست مرتبطة بالأسباب المادية وحدها، بل بـ (القيوم) الذي يسخر هذه الأسباب. وقد كان من دعاء النبي ﷺ الذي يعلمنا هذا الارتباط الروحي: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين” (رواه النسائي والحاكم وصححه الألباني).
- التوكل المطلق: حين تعلم أن الله هو القيوم، تتوقف عن القلق المفرط بشأن المستقبل، لأن القائم على الكون لا يغفل ولا ينام.
- التحرر من ضغط الأسباب: الأسباب أدوات في يد القيوم، فإذا تعطل سبب، فإن مسبب الأسباب حي لا يموت وقيوم لا يزول.
- السكينة في وسط العاصفة: القيومية تمنحك شعوراً بأن الكون في أيدٍ أمينة، مهما بدا لنا مضطرباً.
ثالثاً: تفكيك هواجس الانهيار الوجودي
الانهيار الوجودي هو شعور العبد بأن حياته بلا معنى، أو أن الوجود عبارة عن فوضى عارمة تقود إلى الفناء. هذا الهاجس هو مرض العصر الذي تفشى بسبب الماديات الغارقة. ومع ذلك، فإن عقيدة (القيومية) تفكك هذه الهواجس من جذورها من خلال ثلاثة محاور:
- وحدة الإدارة: الوجود ليس صراعاً بين قوى عشوائية، بل هو بنية منظمة يدبرها (القيوم). (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: 33]. هذا الحضور الإلهي المهيمن يطرد فكرة العبثية.
- دقة التقدير: كل انهيار ظاهري في حياتنا هو في الحقيقة جزء من بناء أكبر يدبره القيوم لحكمة قد تخفى علينا. فالهدم أحياناً يكون مقدمة لبناء أعظم وأمتن.
- الخلود والاستمرارية: بما أن الله هو القيوم، فإن وجود الإنسان نفسه له امتداد لا ينقطع بالموت، بل هو انتقال من دار إلى دار في رعاية الحي القيوم.
رابعاً: ممارسات عملية للعيش في ظلال القيومية
كيف نحول هذا المفهوم الكوزمولوجي إلى واقع معاش؟ إن ذلك يتطلب رياضة روحية وفكرية مستمرة:
1. استحضار القيومية في التفاصيل الدقيقة: عندما تنظر إلى نبات ينمو، أو كوكب يدور، أو حتى في سريان الدم في عروقك، قل في نفسك: “هذا قيام الله”. هذا الاستحضار يربطك دائماً بالمصدر ويزيل عنك وحشة الانفصال عن الخالق.
2. صلاة الليل (قيام الليل): سمي قيام الليل قياماً لأنه صلة بين (القائم) بالعبادة وبين (القيوم) المستحق لها. في هذا الوقت يتجلى الله سبحانه وينادي عباده، فيستمد العبد من قيومية ربه قوة يواجه بها مشاق النهار. قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء: 79].
3. الرضا بالتدبير: إن أقصى درجات الثبات الروحي تكمن في الرضا بأن اختيار (القيوم) لك خير من اختيارك لنفسك. فالله هو القائم على مصالحك أكثر منك، وهو العليم بما يصلح قوام حياتك.
خاتمة: القيومية كأمان للكون والإنسان
إن كوزمولوجيا القيام المطلق تعلمنا أن الكون محروسٌ بعناية لا تفتُر، وأن الروح البشرية تجد مستقرها حين تركن إلى الحي القيوم. إن الانهيار الوجودي لا يحدث إلا حين ينفصل الإنسان في وعيه عن قيومية ربه، فيرى نفسه وحيداً في مواجهة عواصف القدر. أما المؤمن، فيرى في كل حركة وسكون تجلياً لاسم الله القيوم، مما يملأ قلبه طمأنينة وثباتاً.
ختاماً، لنردد دوماً بقلوب موقنة ما كان يلهج به النبي ﷺ في كربه: “اللهم لك الحمد، أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهن” (متفق عليه). فبهذا اليقين، تترمم أرواحنا، وتتفكك مخاوفنا، ونمضي في هذه الحياة بخطى ثابتة نحو واهب الحياة ومقيمها.

اترك تعليقاً