لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم: منهج نبوي في الستر والرحمة

# لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم: رؤية إيمانية في فقه التعامل مع العثرات

في رحاب السيرة النبوية العطرة، تتجلى لنا مواقف هي بمثابة مشاعل نور تضيء لنا ظلمات النفس البشرية، وترسم لنا معالم الطريق في كيفية التعامل مع الضعف الإنساني. إن النفس البشرية جبلت على الخطأ والنسيان، وفي وسط مجتمع الصحابة الكرام، الذي هو خير القرون، وقعت بعض الهنات لبيان التشريع وتعليم الأمة كيف تنهض من عثرتها. ومن أعظم هذه الدروس النبوية ما ورد في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه.

مشهد نبوي عظيم: الرحمة فوق كل شيء

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: أُتِيَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بسَكْرَانَ، فأمَرَ بضَرْبِهِ. فَمِنَّا مَن يَضْرِبُهُ بيَدِهِ ومِنَّا مَن يَضْرِبُهُ بنَعْلِهِ ومِنَّا مَن يَضْرِبُهُ بثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: ما له أخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ علَى أخِيكُمْ». (رواه البخاري).

هذا النص النبوي الشريف ليس مجرد واقعة تاريخية، بل هو دستور أخلاقي واجتماعي متكامل. ففي الوقت الذي أقيم فيه الحد الشرعي على المخطئ صيانةً للمجتمع، لم يغفل النبي ﷺ عن الجانب النفسي والروحي لهذا العاصي. إن العقوبة في الإسلام ليست تشفياً ولا انتقاماً، بل هي تطهير وزجر، فإذا ما انتهت العقوبة البدنية، وجب أن تفتح أبواب الرحمة والاحتواء.

تفسير الحديث: كيف نصبح أعواناً للشيطان؟

إن قول النبي ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ علَى أخِيكُمْ» يحمل دلالات عميقة. فالشيطان يتربص بالإنسان، ويفرح بزلته، ويسعى جاهداً لقطعه عن ربه ويأسه من رحمته. حين نقوم نحن بسب العاصي أو تعييره أو الدعاء عليه بالخزي، فنحن نحقق مراد الشيطان تماماً.

1. الإيغار في الصدر: عندما يسمع المخطئ كلمات التحقير والشماتة، ينقبض قلبه وتشتد وحشته، مما قد يدفعه للعناد والاستمرار في المعصية.
2. قطع طريق الرجعة: الشيطان يريد إقناع العاصي بأنه منبوذ مطرود، فإذا أكدنا نحن هذا الشعور بالسب والدعاء عليه بالخزي، نكون قد أغلقنا في وجهه باب التوبة عملياً.
3. تزيين المعصية بالتعصب: أحياناً يدفع الاستهزاء بالشخص إلى أن يتعصب لخطئه نكايةً فيمن شمتوا به، وهنا يكون الشيطان قد ظفر بمراده كاملاً.

خطورة الشماتة والفضيحة في زمن الفتن

لقد كان هذا التوجيه النبوي في المدينة المنورة، في خير زمان ومع خير صحابة، فكيف بنا في هذا الزمان؟ نحن نعيش في عصر انتشر فيه الفجور، وعم فيه الفساد، وأصبحت المعصية دانية من الإنسان بضغطة زر على شاشات الهواتف. إن الفتن اليوم تلتصق بالإنسان التصاقاً، وضعف النفس البشرية أمام هذه المغريات أصبح أمراً مشاهداً.

إن الواجب الإيماني يقتضي منا أن نكون حائط صد يحمي المبتلى بالمعصية، لا أن نكون سهاماً مسمومة تزيد جراحه. إن بلغك عن صاحبك أو أخيك تساهل في معصية، أو وقوع في مخالفة شرعية نتيجة غلبة الهوى أو ضعف النفس، فالحذر الحذر من الشماتة.

  • الستر: هو المنهج الأول، فمن ستر مسلماً ستره الله.
  • الدعاء: بظهر الغيب أن يهديه الله ويصلح حاله.
  • النصح: بأسلوب لين رفيق لا يشعره بالاستعلاء الإيماني.
  • لماذا يحرص الشيطان على فضيحة العاصي؟

    يقصد الشيطان من إسقاط الإنسان في بئر المعصية هدفين أساسيين:

  • الأول: إفساد العلاقة بين العبد وربه.
  • الثاني: فضيحة العبد وإسقاط هيبته بين الناس لييأس من الإصلاح.
  • يدخل الشيطان على الإنسان من باب ضعفه البشري، ويستمر معه بالوسوسة حتى تتعلق نفسه بالمعصية، رغم أن في أعماق هذا المؤمن كراهية فطرية للذنب وحباً لله ورسوله ﷺ. إن هذا الصراع الداخلي يحتاج إلى من يعين المؤمن فيه على إيمانه، لا من يعين الشيطان عليه.

    إن الطعن والاستهزاء والتشهير بالمخطئين يؤدي إلى فجوة اجتماعية خطيرة؛ حيث ينعزل المخطئون ويشكلون مجتمعات خاصة بهم بعيداً عن أهل الخير، مما يزيد من غيهم ويجعلهم لقمة سائغة للشيطان وهواهم.

    أدب النصيحة: بين الستر والإصلاح

    إن شعارنا يجب أن يكون دائماً: «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ علَى أخِيكُمْ». وهذا يوجب علينا اتباع خطوات عملية عند رؤية منكر أو سماع زلة:

    1. استحضار الأخوة الإيمانية: النبي ﷺ سمى السكران “أخاً” رغم معصيته، وهذا تعليم لنا بأن المعصية لا تقطع حبل الأخوة في الدين.
    2. الستر الجميل: لا تنشر الخبر، ولا تتحدث به في المجالس تحت مسمى “التحذير” وهو في حقيقته فضيحة.
    3. المواجهة الرحيمة: إذا كان لا بد من الكلام، فليكن سراً بينك وبينه، بكلمات تقطر رحمة وتفيض حباً.
    4. تجنب الكلمات الجارحة: كلمات مثل “أخزاه الله” أو “لا هداه الله” هي كلمات شيطانية تخدم أجندة إبليس في تحطيم النفس البشرية.

    الرحمة بالمخطئ: منهج نبوي في بناء المجتمع

    إن المجتمع المسلم يبنى على التراحم لا على التصادم. إن المخطئ هو في الحقيقة “مريض” يحتاج إلى علاج، وليس “مجرماً” يحتاج إلى سحق كرامته. لقد ضرب لنا النبي ﷺ أروع الأمثلة في كيفية احتواء المخطئين، فكانت كلماته بلسماً يداوي الجراح ويفتح آفاق الأمل.

    إن الستر على المسلم ليس تشجيعاً على المعصية، بل هو إعطاء فرصة للنفس لكي تراجع حساباتها بعيداً عن ضغط الفضيحة وكلام الناس. فكم من إنسان ستره الله وستر عليه خلقه، فاستحيا من كرم الله ومن حلم الناس، فأحدث ذلك في قلبه توبة نصوحاً بدلت حاله من الشقاء إلى السعادة.

    واجبنا اليوم تجاه من زلت قدمه

    في ختام هذا المقال، نذكر أنفسنا بأننا لسنا ملائكة، وأن كل واحد منا عرضة للزلل. إن الوقوف في وجه الشيطان يتطلب صفاً واحداً متكاتفاً، يشد فيه القوي يد الضعيف، ويستر فيه الطائع على العاصي.

    تذكر دائماً:

  • أن الشماتة بالعاصي قد تبتلى بها.
  • أن الستر مفتاح من مفاتيح الجنة.
  • أن الكلمة الطيبة قد تكون سبباً في نجاة إنسان من النار.

فلنردد دائماً وصية نبينا الكريم: «لا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ علَى أخِيكُمْ»، ولنجعل من مجتمعاتنا بيئة صالحة للتوبة، ساترة للعيوب، رحيمة بالخلق، متبعة لهدي النبي المصطفى ﷺ في الرفق واللين والستر.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *