لغز أم سيتي: البريطانية التي آمنت بأنها عشيقة الفرعون سيتي الأول وعادت من الموت لتخدم معبده

لغز أم سيتي: البريطانية التي آمنت بأنها عشيقة الفرعون سيتي الأول وعادت من الموت لتخدم معبده

ظاهرة أم سيتي: حين يمتزج العشق بالتاريخ والتقمص

لا تتوقف أسرار الحضارة المصرية القديمة عن إبهار العالم، ولكن قصة عالمة الآثار البريطانية دوروثي إيدي، المعروفة بلقب “أم سيتي”، تظل واحدة من أكثر الحكايات غرابة وإثارة للجدل في العصر الحديث. لم تكن دوروثي مجرد باحثة عادية، بل كانت امرأة وهبت حياتها بالكامل لملك رحل قبل آلاف السنين، مؤمنة بيقين تام بأنها عاشت في حقبة الأسرة التاسعة عشرة ككاهنة وعشيقة للفرعون سيتي الأول.

البداية من لندن: حادثة غيرت مجرى القدر

ولدت دوروثي إيدي في لندن عام 1904، ولم تكن طفولتها تنبئ بشيء غير عادي حتى بلغت الثالثة من عمرها. في ذلك الوقت، تعرضت لسقوط مروع من درج منزلها أدى لفقدانها الوعي تماماً، حتى أعلن الطبيب وفاتها. لكن المفاجأة حدثت عندما استعادت الطفلة وعيها فجأة، وبدأت تتحدث عن رؤى غريبة وتطالب بالعودة إلى “منزلها الحقيقي”.

تفاقم الأمر عندما زارت دوروثي المتحف البريطاني مع والديها؛ فبمجرد رؤيتها للتماثيل الفرعونية، ركعت أمامها وبدأت تقبل أقدامها، مؤكدة أن هذا المكان هو موطنها. هذا السلوك الغريب دفع بوالديها لعرضها على مصحات نفسية، لكن شغفها لم ينطفئ، بل تعمقت في دراسة اللغة الهيروغليفية والتعرف على كبار علماء المصريات في لندن.

الرحلة إلى المحروسة: العودة إلى الجذور

في عام 1933، وجدت دوروثي طريقها أخيراً إلى مصر بعد زواجها من شاب مصري يدعى إمام عبد المجيد. وبمجرد وصولها إلى مطار القاهرة، سجدت لتقبل الأرض باكية وهي تردد: “أخيراً عدت إلى موطني”. أنجبت دوروثي ابناً واحداً وأسمته “سيتي”، تيمناً بالملك الذي كانت تؤمن بأنه حبيبها في حياة سابقة، ومن هنا جاء لقبها الشهير “أم سيتي”.

لم يستمر زواجها طويلاً بسبب تعلقها المفرط بالآثار والطقوس القديمة، فاختارت العيش في صعيد مصر، وتحديداً في منطقة أبيدوس بمحافظة سوهاج، بجوار معبد الملك سيتي الأول، حيث قضت ما يقرب من ثلاثة عقود من عمرها في خدمة هذا المعبد العظيم.

بين العلم والأسطورة: شهادة زاهي حواس

يروي الدكتور زاهي حواس، عالم المصريات الشهير ووزير الآثار الأسبق، تفاصيل لقائه بـ “أم سيتي” في شبابه. يصفها حواس بأنها كانت “أسطورة لن تتكرر”، مؤكداً أنها كانت تمتلك قدرة فائقة على ترجمة النصوص الهيروغليفية ببراعة وسرعة مذهلة، وكأنها لغتها الأم.

وعلى الرغم من إعجاب حواس بشخصيتها وعلمها، إلا أنه وضع حداً فاصلاً بين مهارتها اللغوية ومزاعمها بشأن الاكتشافات الأثرية؛ حيث أكد في شهادته لـ بي بي سي أنها لم تكتشف مواقع أثرية جديدة فعلياً، بل كانت تقدم اجتهادات شخصية وآراء علمية دقيقة حول معبد سيتي ومقبرة أوزيريس، مستندة إلى إطلاعها الواسع وعملها الطويل مع رائد علم المصريات سليم حسن.

حكاية بنترشيت: الكاهنة التي انتحرت من أجل الملك

الجانب الأكثر إثارة في رواية دوروثي إيدي هو ما كشفت عنه بشأن هويتها السابقة. زعمت أنها كانت تدعى “بنترشيت” (بنت رشيد)، وأنها كانت كاهنة شابة في الرابعة عشرة من عمرها تعمل في معبد سيتي الأول. وبحسب روايتها، وقع الملك في حبها، ونشأت بينهما علاقة سرية غير شرعية وفقاً لأعراف المعبد، مما أدى في النهاية إلى انتحارها لإنقاذ الملك من الفضيحة.

كانت دوروثي تؤمن بأن روحها عادت للحياة بعد 3000 عام لتكمل قصة حبها ووفائها للملك. وكانت تمارس طقوساً تعبدية قديمة داخل معبد أبيدوس، حافية القدمين، وتؤدي الصلوات وتغتسل بالملح كما كان يفعل الكهنة القدماء، وهو ما وثقه الفيلم الوثائقي للمخرجة بسمة مجدي من خلال شهادة مرافقها الملقب بـ “حورس”.

النهاية والارث: رحيل سيّدة المعبد

في 21 أبريل 1981، رحلت دوروثي إيدي عن عالمنا في أبيدوس، بعد أيام قليلة من تصوير فيلم وثائقي مع ناشيونال جيوغرافيك. توفيت وهي تشعر بأنها في منزلها الحقيقي، تاركة وراءها إرثاً من الكتب والأبحاث، وقصة تعد من أغرب قصص التقمص في التاريخ الحديث.

اليوم، لا يزال فندق “بيت الحياة” في سوهاج يستقبل الزوار الذين يأتون من كل بقاع الأرض تخليداً لذكراها، بينما يظل معبد أبيدوس شاهداً على قصة المرأة البريطانية التي لم ترَ في مصر مجرد تاريخ، بل رأت فيها روحها وحياتها التي سُرقت منها قبل آلاف السنين.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *