كيف كشفت الصين لغز "سر وجهي القمر"؟ رحلة علمية إلى أعماق التاريخ الكوني
لطالما كان التباين الصارخ بين وجهي القمر لغزاً حيّر العلماء لعقود طويلة؛ فالوجه الذي نراه من الأرض يمتلئ بـ "البحار" البركانية الداكنة، بينما يبدو الوجه البعيد وعراً وفقيراً بتلك التكوينات. اليوم، وبفضل مهمة "تشانغ آه-6" (Chang’e-6) الصينية، يبدو أننا وضعنا أيدينا على الإجابة النهائية.
مهمة تاريخية من قلب حوض أيتكن
نجحت الصين في تحقيق إنجاز غير مسبوق بجلب عينات نادرة من حوض أيتكن القطب الجنوبي، وهو أحد أضخم وأقدم فوهات الاصطدام في النظام الشمسي، حيث يمتد لقرابة 2500 كيلومتر على الجانب البعيد للقمر. هذه العينات لم تكن مجرد صخور صماء، بل كانت تحمل شفرة تاريخية تعود لأكثر من 4 مليارات سنة.
التباين الجيولوجي: لماذا يختلف الوجهان؟
عند النظر إلى القمر، تبرز ملامح واضحة تميز كل جانب:
- الوجه القريب: يتميز بـ "البحار البركانية" (الماريا)، وهي سهول شاسعة من الحمم البازلتية المتجمدة مثل بحر الهدوء وبحر الأمطار.
- الوجه البعيد: سطح فاتح اللون، مليء بالفوهات الجبلية، ويكاد يخلو تماماً من النشاط البركاني القديم.
سر "البوتاسيوم" والاصطدام العظيم
كشفت التحليلات الكيميائية لصخور البازلت التي أعادتها البعثة الصينية عن مفاجأة علمية؛ حيث وجدت نسباً مرتفعة من نظير البوتاسيوم-41 مقارنة بنظيره الأخف البوتاسيوم-39.
ويفسر العلماء هذا الاختلاف بالنتائج التالية:
- اصطدام كوني هائل: وقع قبل مليارات السنين في جهة الوجه البعيد.
- تبخر العناصر: الطاقة الناتجة عن الاصطدام بخرت العناصر المتطايرة (مثل الماء والبوتاسيوم).
- هروب النظائر: هرب النظير الأخف (39) إلى الفضاء بسرعة أكبر، مخلفاً وراءه الوشاح القمري في تلك الجهة فقيراً بالمواد التي تساعد على تشكل الصهارة.
النتيجة: وشاح جاف وبراكين غائبة
هذا النقص في العناصر المتطايرة والماء في باطن الوجه البعيد أدى إلى ضعف النشاط البركاني هناك. وبدون صهارة كافية، لم تتشكل البحار البركانية التي نراها بوضوح على الوجه القريب، مما يفسر أخيراً سر وجهي القمر والاختلاف الجذري بينهما.
الصين تعيد كتابة التاريخ القمري
إن نجاح مهمة "تشانغ آه-6" يضع الصين في مقدمة سباق الفضاء الحديث. فهذه هي المرة الأولى التي نحصل فيها على رؤية مباشرة لباطن القمر من جهته المجهولة، مما يكمل النقص الذي تركته بعثات "أبولو" الأمريكية التي ركزت فقط على الوجه القريب.
أهمية هذا الاكتشاف للمستقبل:
- تحديد مواقع القواعد البشرية: فهم جيولوجيا القمر يساعد في اختيار أفضل الأماكن للسكن المستقبلي.
- استخراج الموارد: معرفة توزيع الماء والمعادن في باطن القمر.
- فهم تطور الكواكب: كيف يمكن للاصطدامات أن تغير بنية الأجرام السماوية من الداخل إلى الخارج.
خاتمة:
بفضل حجر صغير من البازلت ورؤية علمية طموحة، اقتربت البشرية خطوة إضافية من فهم جارنا السماوي الأقرب، لتثبت الصين أن الطريق إلى الفضاء يمر عبر فك شفرات الماضي السحيق.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً