لغز جدار الطوب: كيف نجحت التحقيقات الرقمية في إنقاذ طفلة من سنوات الجحيم؟

لغز جدار الطوب: كيف نجحت التحقيقات الرقمية في إنقاذ طفلة من سنوات الجحيم؟

بداية الطريق المسدود: لوسي والإنترنت المظلم

في عالم يسوده التشفير والتمويه الرقمي، واجه المحقق غريغ سكواير، المتخصص في التحقيقات الرقمية بوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مسيرته المهنية. القضية كانت تتعلق بطفلة أطلق عليها فريق التحقيق اسم مستعار هو ‘لوسي’، كانت صور تعرضها لإساءات جسيمة تتداول في الزوايا المظلمة من ‘الإنترنت المظلم’ (Dark Web)، حيث يصعب تتبع أثر المجرمين أو تحديد مواقع الضحايا.

كان الجاني حريصاً لدرجة فائقة؛ حيث قام بقص وتعديل الصور بدقة لإخفاء أي تفاصيل قد تشي بمكانه أو بهوية الطفلة. وعلى الرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها وحدة النخبة المسؤولة عن تحديد هوية الأطفال ضحايا الاستغلال، بدا أن القضية تتجه نحو طريق مسدود، حتى ظهر دليل لم يكن في الحسبان، ليس في لغة البرمجة، بل في جدار الغرفة.

فشل التكنولوجيا المتقدمة والاستعانة بالتفاصيل الصغيرة

في محاولة يائسة، تواصل فريق التحقيق مع منصة فيسبوك، التي كانت تمتلك تقنيات متطورة للتعرف على الوجوه، على أمل مطابقة صور لوسي مع قواعد بياناتها. إلا أن الشركة ردت حينها بأنها لا تملك الأدوات اللازمة للمساعدة، مبررة ذلك بضرورة حماية خصوصية المستخدمين واتباع الإجراءات القانونية. هذا الرفض دفع سكواير وفريقه للعودة إلى المربع الأول: تحليل كل بكسل في الصور المتاحة.

بدأ الفريق بفحص الأثاث والألعاب المحشوة وحتى مقابس الكهرباء. استنتجوا من شكل المقابس أن الضحية موجودة في أمريكا الشمالية. ثم جاء الخيط الأول عندما تم التعرف على أريكة ظهرت في الصور؛ حيث تبين أنها كانت تباع إقليمياً فقط. ومع ذلك، كان النطاق لا يزال واسعاً للغاية، ليشمل 29 ولاية وعشرات الآلاف من العناوين المحتملة.

خبير الطوب: عندما يتحدث البناء بلغة العدالة

نقطة التحول الحقيقية في مسار التحقيقات الرقمية كانت ملاحظة جدار من الطوب المكشوف في خلفية إحدى الصور. تواصل سكواير مع رابطة صناعة الطوب، ليقوده البحث إلى جون هارب، وهو خبير في هذا المجال منذ ثمانينيات القرن الماضي. بمجرد رؤيته للصورة، حدد هارب نوع الطوب بدقة: ‘ألامو المشتعلة’ (Alamo Flame)، وهو طوب وردي داكن ذو حواف مربعة صُنع في مصنع محدد بجنوب غرب الولايات المتحدة بين الستينيات والثمانينيات.

أعطى هارب المحققين قاعدة ذهبية: ‘الطوب ثقيل، والطوب الثقيل لا يقطع مسافات طويلة’. هذه المعلومة مكنت الفريق من تضييق نطاق البحث من 40 ألف عنوان إلى دائرة قطرها 100 ميل فقط حول المصنع. وبالتقاطع مع بيانات مشتري الأرائك، تقلصت القائمة إلى 50 شخصاً فقط، مما سمح للمحققين بمراقبة حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي والعثور أخيراً على صورة للوسي مع قريب لها.

ساعة الصفر: نهاية ست سنوات من العذاب

بعد تحديد العنوان المحتمل بدقة عبر مطابقة طراز المنازل الخارجي بمساعدة خبير الطوب، اكتشف الفريق أن صديق والدة لوسي كان يعيش هناك، وهو مجرم جنسي مدان سابقاً. في غضون ساعات، اقتحمت القوات الخاصة المنزل، لتنتهي معاناة لوسي التي استمرت ست سنوات من الاعتداء المستمر. حُكم على الجاني لاحقاً بالسجن لمدة تتجاوز 70 عاماً، في انتصار ساحق للإصرار البشري على التكنولوجيا الصماء.

الثمن الإنساني والندوب غير المرئية

لم تكن القضية انتصاراً مهنياً فحسب، بل كانت لها ضريبة قاسية على الصحة النفسية للمحقق غريغ سكواير. اعترف سكواير لاحقاً بأن الانغماس في مثل هذه الجرائم البشعة قاده إلى إدمان الكحول والأفكار الانتحارية وانهيار حياته الزوجية. وبفضل دعم زملائه، بدأ رحلة العلاج النفسي، مؤكداً أن الاعتراف بالضعف كان الخطوة الأولى للاستمرار في أداء رسالته.

في الصيف الماضي، وبعد سنوات من الحادثة، التقى سكواير بلوسي، التي أصبحت الآن شابة في العشرين من عمرها. أخبرته لوسي أن إنقاذها كان ‘استجابة لدعواتها’، بينما أكد سكواير أن رؤيتها وهي تستعيد حياتها هي المكافأة الحقيقية لكل تلك السنوات من البحث المرير. تظل قصة لوسي تذكيراً دائماً بأن التحقيقات الرقمية، مهما بلغت من التطور، تظل بحاجة إلى العين البشرية التي تلمح التفاصيل البسيطة الكفيلة بتغيير مصير إنسان.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *