لماذا يجب عليك مشاهدة فيلم Possession؟ رحلة سريالية في عالم الرعب النفسي والسينما الخالدة

لماذا يجب عليك مشاهدة فيلم Possession؟ رحلة سريالية في عالم الرعب النفسي والسينما الخالدة

يعد فيلم Possession واحدًا من تلك الأعمال السينمائية النادرة التي تترك أثرًا لا يمحى في ذاكرة المشاهد. إذا كنت من عشاق السينما التي تتحدى التوقعات، فإن نصيحتنا الأولى لك هي أن تشاهد هذا الفيلم دون معرفة مسبقة بأحداثه، بل ويفضل ألا تشاهد الإعلان الترويجي له. انطلق فورًا لمشاهدته عبر منصات البث المتاحة، ثم عد إلينا لنناقش هذا العمل الذي يصنف كواحد من أكثر الأفلام سريالية وكابوسية في تاريخ السينما.

أداء تمثيلي يتجاوز حدود الجنون

يضم الفيلم ثلاثة من أكثر الأدوار السينمائية “جموحًا” في التاريخ، وهو وصف نطلقه هنا كإشادة فنية بحتة. تدور أحداث الفيلم في برلين الغربية، حيث نتابع انهيار زواج “مارك” (يؤدي دوره سام نيل في شبابه ببراعة مذهلة) و”أنا” (التي تقدم فيها إيزابيل أدجاني أداءً فريدًا ومرعبًا). إن مشاهدة أدجاني على الشاشة عملية مرهقة عاطفيًا؛ فهي تتنقل بين الانفصال البارد والجنون الصاخب بسرعة مذهلة، وهو الأداء الذي قيل إنه تسبب لها باضطراب ما بعد الصدمة من شدة تقمصها للشخصية.

أما الأداء الثالث المتميز فيأتي من هاينز بينينت في دور “هاينريش”، الرجل الذي يعتقد مارك أن زوجته تتركه من أجله. يتحرك بينينت في كل مشهد كراقص باليه ثمل، بأسلوب غريب يمزج بين العبثية والرعب الكابوسي، مما يجعله يتناسب تمامًا مع الأجواء التجريدية التي صاغها المخرج أندريه زولاوسكي.

لوحات فنية وسط حطام الحرب الباردة

لم يكتفِ المخرج أندريه زولاوسكي باستخراج أداء تمثيلي استثنائي من أبطاله، بل حول المشاهد إلى لوحات حية. استخدم خلفية جدار برلين كاستعارة بصرية قوية للانقسام والتمزق بين الزوجين. تتجلى روعة الإخراج في تكوين الكادرات، مثل مشهد جلوس مارك وأنا في المقهى، حيث يواجه كل منهما اتجاهًا مختلفًا أثناء مناقشة شروط الانفصال، قبل أن ينفجر مارك في نوبة غضب سينمائية تظل محفورة في الأذهان.

التحول من الدراما العائلية إلى رعب الجسد

ما يبدأ كرحلة نفسية قاسية حول زواج فاشل، يتحول في النصف الثاني من الفيلم إلى رعب جسدي يثير الغثيان. نكتشف أن “أنا” لم تترك زوجها من أجل عشيق بشري، بل من أجل كيان غريب أشبه بمخلوقات “لوفكرافت”. هذا المخلوق المليء بالمجسات والافرازات، صممه كارلو رامبالدي، الحائز على جائزة الأوسكار عن مؤثرات أفلام Alien وET.

يعمل هذا الكائن كمرآة لرغبات “أنا” المكبوتة، حيث يتغذى على الأجساد والأرواح، ويتطور تدريجيًا ليصبح نسخة “دوبلغانغر” من زوجها مارك. الفيلم هنا يطرح تساؤلات عميقة حول الهوية والرغبة والملكية في العلاقات الإنسانية.

مشهد النفق: لحظة سينمائية أيقونية

لا يمكن الحديث عن فيلم Possession دون ذكر مشهد النفق الشهير. في هذا المشهد، تفرغ إيزابيل أدجاني كل طاقتها الجسدية والنفسية في نفق مترو مهجور، في حالة من التشنج والصراخ الهستيري التي تستمر لثلاث دقائق من الكثافة السينمائية الخالصة. حتى لو كان بقية الفيلم متواضعًا، فإن هذا المشهد وحده يجعل الفيلم يستحق المشاهدة، فهو يمثل ذروة التعبير عن الانهيار النفسي الكامل.

تعدد القراءات ولغز النهاية

يترك Possession المشاهد مع سيل من التساؤلات التي لا تنتهي: هل النهاية تشير إلى ظهور “المسيح الدجال”؟ هل الشخصيات التي نراها هي نسخ بديلة (Doppelgängers)؟ وهل عنوان الفيلم “الاستحواذ” يشير إلى مس شيطاني، أم إلى رغبة الرجال في حياة “أنا” في تملكها والسيطرة عليها؟

إن قوة الفيلم تكمن في غموضه وقدرته على إثارة النقاش المستمر حتى بعد مرور عقود على إنتاجه. إنه ليس مجرد فيلم رعب، بل هو تجربة شعورية مكثفة تدفعك للتفكير في طبيعة العلاقات الإنسانية والجانب المظلم من النفس البشرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *