مقدمة: لغز الألم وتجربة الإنسان الفريدة
يُعد الألم أحد أكثر الأحاسيس تعقيداً في التجربة البشرية، فهو ليس مجرد استجابة جسدية لإصابة ما، بل هو رسالة تحذيرية حيوية يرسلها الدماغ لتنبيهنا من خطر محدق. ورغم أن الألم وظيفة دفاعية تهدف لحماية الجسم من تفاقم الضرر، إلا أن شدته وطريقة التعبير عنه تظل لغزاً يحير الأطباء والباحثين، نظراً لتباينها الصارخ من فرد إلى آخر. فما الذي يجعل شخصاً يئن من إصابة طفيفة، بينما يتحمل آخر جرحاً غائراً بصمت؟
لماذا يصعب قياس الألم موضوعياً؟
في حديث خاص مع “بي بي سي عربي”، يوضح الدكتور محمد الدسوقي، رئيس قسم الأمراض العصبية في الجامعة اللبنانية الأميركية، أن الألم إحساس “ذاتي وخاص” بامتياز. فحتى يومنا هذا، لا توجد أداة مخبرية أو جهاز طبي يمكنه قياس مستوى الألم بدقة مطلقة كما نقيس ضغط الدم أو حرارة الجسم. هذا التحدي دفع دولاً متقدمة إلى تخصيص مراكز متكاملة لعلاج الألم كعلم مستقل، يسعى لفهم أسباب استمراره حتى بعد تماثل العضو المصاب للشفاء.
العوامل البيولوجية: دور الجينات والهرمونات
تؤدي الوراثة دوراً محورياً في تحديد مستوى حساسيتنا للأوجاع. تشير الدراسات إلى أن الاختلافات في الناقلات العصبية التي نرثها عن آبائنا تحدد سلفاً قدرتنا على تحمل الألم. وبجانب الجينات، تظهر الهرمونات كعامل حاسم؛ حيث تشير الأبحاث إلى أن هرمون التستوستيرون (هرمون الذكورة) قد يعمل كمخفف طبيعي لشدة الألم، وهو ما قد يفسر جزئياً تباين الحساسية بين الرجال والنساء.
وعلى النقيض، تظهر النساء غالباً حساسية أعلى تجاه الألم نتيجة التقلبات الهرمونية، خاصة مستويات الإستروجين التي تؤثر بشكل مباشر على مسارات الألم في الجهاز العصبي. ومن المهم هنا التمييز علمياً بين “الإحساس بالألم” كعملية بيولوجية، وبين “القدرة على التحمل” كعملية نفسية وسلوكية.
تأثير العرق والسن على تجربة الألم
لا تقتصر الفوارق على البيولوجيا الفردية فحسب، بل تمتد لتشمل العوامل الإثنية والعرقية. فقد رصد الباحثون أن المرضى من أصول أفريقية أو لاتينية أو آسيوية يميلون للإبلاغ عن مستويات ألم أشد مقارنة بغيرهم، وهي عوامل خارجة عن إرادة الفرد. كما يلعب العمر دوراً مهماً، حيث تتغير عتبة الألم واستجابة الجهاز العصبي مع التقدم في السن.
الألم المزمن وظاهرة “تأهب الجهاز العصبي”
الأشخاص الذين يعانون من حالات مزمنة مثل “صداع الشقيقة” أو “الفايبروميالجيا” (ألم العضلات الليفي) يصبحون بمرور الوقت أكثر حساسية لأي مؤثر خارجي. يفسر العلم هذه الحالة بـ “فرط الحساسية المركزية”، حيث يصبح الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، مما يجعله يضخم الإشارات العصبية ويترجمها كألم حاد حتى لو كانت المحفزات بسيطة.
البعد النفسي: عندما يتألم الجسد بسبب الروح
يؤكد الدكتور الدسوقي أن الألم ليس جسدياً دائماً. فالاضطرابات النفسية مثل القلق، الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) قد تتحول إلى آلام جسدية حقيقية تُعرف بـ “الآلام السيكوسوماتية”. وفي ظل الأزمات الأمنية والضغوط المعيشية المتزايدة، يلاحظ الأطباء ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الألم النفسي الجسدي، مما يتطلب مقاربة طبية شاملة تجمع بين طبيب الأعصاب والمحلل النفسي وطبيب الروماتيزم.
طرق غير تقليدية لتخفيف الألم: من الموسيقى إلى التأمل
بعيداً عن العقاقير الطبية، يبرز “تشتيت الانتباه” كواحد من أقوى الوسائل لتخفيف الوجع. الاستماع إلى الموسيقى، خاصة تلك التي تبعث على البهجة، ينشط مراكز المكافأة في الدماغ، مما يسهم في إفراز مسكنات طبيعية ويهدئ من روع الجهاز العصبي. كما أثبت العلاج السلوكي المعرفي والتأمل فاعلية كبيرة في إعادة تدريب الدماغ على كيفية التعامل مع إشارات الألم السابقة ومحو أثرها النفسي.
خاتمة
إن فهمنا للألم يتجاوز اليوم كونه مجرد عرض مرضي، ليصبح نافذة على تفاعل الجينات والبيئة والحالة النفسية. فإذا كنت تشعر بالألم أكثر من غيرك، تذكر أن ذلك نتاج منظومة معقدة من العوامل البيولوجية والنفسية، وأن العلاج يبدأ من الفهم العميق لهذه العوامل وتبني نمط حياة يقلل من توتر الجهاز العصبي.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً