حكاية وجع لا ينتهي: نزوح مخيمات الضفة الغربية يعيد ذكريات النكبة
في خريف العمر، وجد الحاج محمد تركمان (73 عاماً) نفسه مضطراً لمواجهة قسوة الشتاء داخل "عريشة" متهالكة بضاحية إكتابا، تاركاً وراءه ذكريات حارة الغوانمة في مخيم طولكرم. لم تكن هذه مجرد قصة شيخ مسن، بل هي مرآة تعكس معاناة نحو 50 ألف نازح من مخيمات شمال الضفة الغربية (جنين، طولكرم، ونور شمس) الذين يعيشون فصلاً جديداً من فصول اللجوء القسري.
واقع إنساني مرير تحت الصفيح
يعيش النازحون ظروفاً توصف بأنها "شديدة الهشاشة". فالحاج تركمان، الذي خضع لعملية تركيب شبكية للقلب، يتقاسم مع زوجته المريضة بالقلب أيضاً مرارة العيش في مساكن غير مهيأة، حيث تغمر الأمطار فراشهم المتهالك وتمزق الرياح أغطيتهم البلاستيكية.
تتوزع آلاف العائلات اليوم في قرى وبلدات محيطة مثل عنبتا وقباطية، بعيداً عن دفء الجيرة والأقارب، مما جعل "تشتت العائلة" الندبة الأعمق في هذه الأزمة.
أرقام وإحصائيات: حجم الدمار والنزوح
وفقاً للمعطيات الرسمية والتقارير الدولية، فإن المشهد الميداني كارثي:
- أعداد النازحين: 50 ألفاً حسب المصادر الفلسطينية، و33 ألفاً وفق تقديرات الأونروا.
- حجم الدمار: بلغت نسبة الدمار في مخيم جنين نحو 52%، وفي نور شمس 48%، بينما بلغت في مخيم طولكرم 36%.
- المنشآت السكنية: هدم الاحتلال كلياً ما يقرب من 300 بناية سكنية في مخيم جنين وحده.
الطفولة والتعليم: جيل في مهب الريح
لم يسلم الأطفال من تبعات نزوح مخيمات الضفة الغربية، حيث تشير الإحصائيات إلى:
- وجود نحو 12 ألف طفل نازح، بينهم 4500 طالب.
- انقطاع طويل عن التعليم واضطرابات نفسية عميقة.
- تعثر حلول النقل المدرسي بسبب تجميد برامج الأونروا نتيجة نقص التمويل، مما أدى لانقطاع 50% من الطلبة عن الدراسة في بعض المناطق.
التحديات الاقتصادية والصحية
أوضحت عبير إسماعيل من المكتب الإعلامي للأونروا أن غالبية النازحين فقدوا مصادر دخلهم، خاصة مع توقف العمل داخل الخط الأخضر بنسبة تصل إلى 90% لسكان مخيمات طولكرم.
أما صحياً، فقد استبدلت الأونروا عياداتها المدمرة بـ 11 نقطة صحية مؤقتة، لكن الوصول إليها يظل تحدياً في ظل التطويق العسكري المستمر وجود القناصة، مما يهدد حياة ذوي الإعاقة والجرحى الذين وصفت أوضاعهم بالهشاشة المطلقة.
صرخة استغاثة وعجز مالي
تواجه وكالة "الأونروا" عجزاً مالياً يقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يحد من قدرتها على تقديم المساعدات الكافية. ويؤكد فواز حمزة، مدير عام مديرية التنمية الاجتماعية في طولكرم، أن مبالغ "بدل الإيجار" المقدمة للعائلات غير كافية بتاتاً لتغطية تكاليف السكن المتصاعدة وفواتير الخدمات الأساسية.
يبقى الحل الوحيد الحقيقي، كما يراه النازحون والمسؤولون، هو وقف الاقتحامات والدمار، وعودة الأهالي إلى بيوتهم، وإطلاق عملية إعادة إعمار جدية تلم شتات العائلات التي بعثرها النزوح.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً