مؤتمر ميونيخ للأمن: رسائل طمأنة أمريكية لأوروبا وتحذيرات من “حقبة ترامب” المؤقتة

مؤتمر ميونيخ للأمن: رسائل طمأنة أمريكية لأوروبا وتحذيرات من “حقبة ترامب” المؤقتة

قمة ميونيخ: محاولات أمريكية لاحتواء القلق الأوروبي المتصاعد

انطلقت فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن في أجواء خيمت عليها التساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي. وفي محاولة لتبديد الشكوك، وجه وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، رسالة تهدئة قوية للقادة الأوروبيين، مؤكداً أن واشنطن لا تهدف إلى تقسيم حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل تسعى إلى ضخ دماء جديدة فيه وتحفيزه لمواجهة التحديات الراهنة.

وخلال كلمته التي ترقبتها العواصم الأوروبية بحذر، شدد روبيو على أن الروابط التاريخية والثقافية بين الجانبين أعمق من الخلافات السياسية العابرة، قائلاً: “نحن الأمريكيين سنظل دائماً أبناء أوروبا”. ورغم نبرة التفاؤل، اعترف روبيو بأن المرحلة الحالية قد تشهد توترات، لكنه طمأن الحلفاء بأن انقطاع العلاقات ليس خياراً مطروحاً على طاولة الإدارة الأمريكية.

المعسكر الديمقراطي في ميونيخ: “ترامب ظاهرة مؤقتة”

في موازاة الخطاب الرسمي، برزت أصوات أمريكية معارضة داخل أروقة مؤتمر ميونيخ للأمن تسعى لتقديم ضمانات من نوع آخر. فقد صرح حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، بعبارات صريحة استهدفت طمأنة القادة الأوروبيين القلقين من تقلبات السياسة الخارجية لترامب، معتبراً أن وجود دونالد ترامب في السلطة هو أمر “مؤقت” وسينتهي خلال ثلاث سنوات.

نيوسوم، الذي يُنظر إليه كمرشح رئاسي محتمل لعام 2028، لم يكن وحده؛ بل رافقه عشرات المشرعين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، مثل السيناتور جين شاهين والسيناتور توم تيليس. وقد أجمع هؤلاء المشرعون على ضرورة عدم الانسياق وراء الخطابات السياسية الصاخبة، مؤكدين أن مؤسسات الدولة الأمريكية تدرك تماماً القيمة الاستراتيجية للتحالف مع أوروبا.

أوروبا “العملاق النائم”: دعوات لتعزيز الاستقلال الدفاعي

على الجانب الأوروبي، جاءت الردود مزيجاً من الارتياح والحذر. فبينما أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن تفاؤلها بكلمة روبيو، دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر القارة الأوروبية إلى الاستيقاظ وتحمل مسؤولياتها الدفاعية. ووصف ستارمر أوروبا بأنها “عملاق نائم” يمتلك قدرات اقتصادية تفوق روسيا بعشرة أضعاف، لكنها تعاني من تشتت الجهود والاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية.

وفي خطوة عملية لتعزيز التواجد العسكري، أعلن ستارمر عن نشر مجموعة حاملات ضرب بريطانية في شمال الأطلسي بالتعاون مع الولايات المتحدة وكندا، معتبراً أن بناء “نسخة أوروبية أقوى من الناتو” هو السبيل الوحيد لحماية القيم الديمقراطية وسيادة القانون في عالم مضطرب.

تصدعات في النظام العالمي وأطماع في غرينلاند

لم يخلُ مؤتمر ميونيخ للأمن من التحذيرات القاتمة، حيث أعلن المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أن النظام العالمي القائم على القواعد “لم يعد موجوداً” بالشكل الذي عرفناه. وأشار ميرتس بوضوح إلى وجود انقسام عميق بين ضفتي الأطلسي، منتقداً سياسات الحمائية والتعريفات الجمركية التي يلوح بها ترامب، بالإضافة إلى تطلعاته لضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهو ما اعتبره القادة الأوروبيون نقطة تحول أدت إلى تآكل الثقة.

وكشف ميرتس عن وجود محادثات سرية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبحث إمكانية إنشاء “قوة ردع نووي أوروبية مشتركة”، في إشارة واضحة إلى رغبة القوى الكبرى في القارة في تقليل الاعتماد على الضمانات النووية الأمريكية التي باتت محل شك.

الملفات الإقليمية: أوكرانيا، غزة، وإيران

تطرق المؤتمر أيضاً إلى الصراعات المشتعلة، حيث انتقد روبيو دور الأمم المتحدة في حل النزاعات، مشيراً إلى عجزها عن إيجاد تسوية للحرب في غزة. وفيما يخص الأزمة الأوكرانية، شكك وزير الخارجية الأمريكي في جدية روسيا لإنهاء الحرب، رغم الضغوط الدولية المستمرة والمفاوضات المرتقبة في جنيف.

وفي سياق متصل، شهدت مدينة ميونيخ تظاهرات حاشدة ضد الحكومة الإيرانية، تزامنت مع تصريحات لرضا بهلوي دعا فيها المجتمع الدولي لدعم الشعب الإيراني، في وقت لوحت فيه واشنطن بتصعيد عسكري عبر إرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة.

الصين تروج لنفسها كشريك عقلاني

من جانبه، استغل وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، منصة مؤتمر ميونيخ للأمن لمحاولة تحسين صورة بكين لدى الأوروبيين. وأكد وانغ أن الصين تمثل “فرصة وليست تهديداً”، داعياً أوروبا لاتباع سياسة براغماتية ومستقلة بعيداً عن الضغوط الأمريكية، في محاولة لتقليص الفجوة التجارية المتزايدة وتهدئة المخاوف بشأن التعاون الصيني الروسي المتنامي.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *