خمس قمم استراتيجية: صور الأقمار الصناعية تفضح نوايا البقاء
كشف تحليل معمق أجرته “بي بي سي نيوز عربي” لصور الأقمار الصناعية عن استمرار أعمال البناء والتحصين التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وذلك رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وتركزت هذه العمليات في خمسة مواقع استراتيجية تقع فوق تلال حاكمة، مما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الوجود الإسرائيلي المستقبلي في المنطقة.
وعلى الرغم من انسحاب القوات الإسرائيلية من معظم البلدات والقرى في فبراير 2025، تنفيذاً للاتفاق المبرم في نوفمبر 2024، إلا أن الصور الجوية الملتقطة بين أواخر 2024 ونوفمبر 2025 تظهر تطوراً إنشائياً ملحوظاً في خمس نقاط رئيسية هي: الحمامص، الحولا، جل الدير، تلة بلاط، ولبونة.
تحصينات عسكرية تتجاوز الوجود المؤقت
أشار خبراء عسكريون ومحللون جيوسياسيون راجعوا صور الأقمار الصناعية إلى أن طبيعة المنشآت والتحصينات في هذه المواقع تشير إلى استعداد لوجود “متوسط المدى” وليس انتشاراً تكتيكياً قصيراً. وتضمنت الصور أدلة على بناء ملاجئ محصنة، وأبراج مراقبة، وإزالة عوائق طرقية لتسهيل حركة الآليات الثقيلة.
وفي موقع “تلة الحمامص”، الذي يبعد نحو 1.4 كيلومتر عن الخط الأزرق، رُصد تسارع في أعمال البناء منذ يوليو 2025، مع ظهور آثار واضحة لتحركات دبابات مدرعة وسواتر ترابية دفاعية. وفي موقع “جل الدير” القريب من عيترون، كشف التحليل عن وجود أربعة أبراج مراقبة في زوايا الموقع، مما يعزز فرضية تحويل هذه النقاط إلى مراكز استخبارات ومراقبة دائمة.
المواقف السياسية: صراع على التفسير والسيادة
تعتبر الحكومة اللبنانية هذا الوجود المستمر انتهاكاً صارخاً لسيادتها ولاتفاق وقف إطلاق النار. ومن جانبه، أكد نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، أن الحزب متمسك بسلاحه طالما بقي الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان متمركزاً فوق تلك التلال، مشدداً على أن المقاومة أوفت بالتزاماتها بالانسحاب إلى شمال نهر الليطاني.
في المقابل، يبرر الجيش الإسرائيلي تمسكه بهذه المواقع بضرورة حماية المدنيين في شمال إسرائيل، واصفاً إياها بأنها “خط دفاعي” ضروري لمنع إعادة تموضع مقاتلي حزب الله. وصرحت الحكومة الإسرائيلية سابقاً بأن هذا الوجود هو إجراء “مؤقت” تفرضه الضرورات الأمنية.
قوات اليونيفيل والقرار 1701 تحت الاختبار
تضع هذه التحركات العسكرية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 على المحك. فقد صرح متحدث باسم قوات اليونيفيل بأن الأنشطة الإسرائيلية في مناطق مثل “لبونة” و”تلة بلاط”، القريبة من مواقع الأمم المتحدة، تمثل انتهاكاً للقرار الدولي وللسيادة اللبنانية.
ورغم إعلان الجيش الإسرائيلي عن تنسيقه لتجنب الاحتكاك مع قوات حفظ السلام، إلا أن استمرار البناء في موقعين إضافيين أصغر حجماً بالقرب من بلدة “كفركلا” بعد الموعد النهائي للانسحاب، يزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي.
سياق الصراع: فاتورة باهظة واتفاق هش
يأتي هذا التصعيد بعد حرب استمرت 13 شهراً، أسفرت عن سقوط أكثر من 4000 قتيل في لبنان و120 في الجانب الإسرائيلي. وبدأت الشرارة الأولى لهذا النزاع في أكتوبر 2023، حين أطلق حزب الله صواريخ تضامناً مع قطاع غزة، ليتطور الأمر إلى مواجهة شاملة انتهت باتفاق وقف إطلاق نار يبدو الآن مهدداً في ظل تمسك الجيش الإسرائيلي بمواقعه فوق قمم الجنوب اللبناني.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً