محمية ذاكرة الجليد: هل ينقذ العلماء تاريخ الأرض قبل فوات الأوان؟

محمية ذاكرة الجليد: هل ينقذ العلماء تاريخ الأرض قبل فوات الأوان؟

محمية ذاكرة الجليد: سباق مع الزمن لإنقاذ تاريخ كوكبنا من الذوبان

رغم الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة عالمياً، شهد العالم مؤخراً موجات برد قارس وعواصف ثلجية غير مسبوقة اجتاحت مدناً مثل نيويورك وكامتشاتكا. يفسر خبراء البيئة هذا التناقض بأنه نتيجة مباشرة لظاهرة التغير المناخي، التي لا تكتفي برفع حرارة الأرض، بل تؤدي إلى اضطرابات حادة في الأنماط المناخية التقليدية.

لغز البرد القارس في زمن الاحتباس الحراري

تسببت التراكمات الجليدية الكثيفة في شلل الحياة اليومية وتضرر البنى التحتية في مناطق عدة. هذا الهجوم الثلجي ليس إلا وجهاً آخر للاحتباس الحراري، حيث يؤدي اختلال التوازن البيئي إلى تطرف في الظواهر الجوية، مما يجعل الشتاء أكثر قسوة في مناطق غير معتادة.

محمية ذاكرة الجليد: كبسولة زمنية في أنتاركتيكا

في قلب القارة القطبية الجنوبية، وتحديداً في محطة "كونكورديا"، دشنت مجموعة من العلماء مشروعاً استثنائياً يُعرف بـ "محمية ذاكرة الجليد". يقع هذا الكهف الجليدي فوق هضبة القارة القطبية، ويعد ملاذاً آمناً لعينات جليدية نادرة استُخرجت من أنهار جليدية مهددة بالاندثار.

لماذا يعتبر الجليد "آلة زمن"؟

يصف العلماء هذه العينات بأنها "كبسولات زمنية" للغلاف الجوي، وذلك للأسباب التالية:

  • توثيق التاريخ: تحتوي العينات على فقاعات هوائية وبيانات كيميائية توثق التغيرات المناخية عبر آلاف السنين.
  • سياق علمي: تساعد البيانات في فهم مراحل تشكل الجليد وذوبانه، مما يضع أحداث اليوم في سياقها التاريخي الصحيح.
  • حفظ الذاكرة: وفقاً لـ كارلو باربانتي، نائب رئيس المؤسسة، فإن فقدان هذا الجليد يعني فقدان ذاكرة المناخ للأبد.

رحلة إنقاذ العينات: من القمم إلى الأعماق

تبدأ الرحلة من قمم شاهقة مثل جبال الألب السويسرية وهضبة التبت، حيث تُستخدم معدات حفر متطورة لاستخراج الأسطوانات الجليدية في ظروف مناخية شديدة الصعوبة.

بعد الاستخراج، تمر العينات بالمراحل التالية:

  1. التحليل الأولي: تُنقل إلى مختبرات متخصصة في مدينة البندقية الإيطالية.
  2. النقل الدولي: تُشحن عبر سفن وطائرات أبحاث مجهزة.
  3. التخزين النهائي: تُحفظ في كهف أنتاركتيكا على ارتفاع 3200 متر، حيث تصل الحرارة إلى 52 درجة مئوية تحت الصفر، مما يضمن بقاءها مجمدة طبيعياً دون الحاجة لطاقة خارجية.

تحذيرات من نقطة اللاعودة

تأسست مؤسسة "ذاكرة الجليد" عام 2015 كتحالف بحثي أوروبي لمواجهة تسارع ذوبان الجليد. ويحذر الخبراء من أن معظم الأنهار الجليدية في مناطق الألب وأمريكا الجنوبية قد تختفي تماماً خلال 30 إلى 50 عاماً.

إن ذوبان هذه الأنهار لا يعني مجرد فقدان مورد مائي حيوي، بل هو طمس للسجل التاريخي لمناخ الأرض، في ظل استمرار تجاهل القوى الصناعية الكبرى لخطورة الكارثة المناخية المتفاقمة التي تجاوزت بالفعل نقطة اللاعودة.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *