مزارع السنغال: القصة الكاملة لتأمين إمدادات الغذاء في بريطانيا من قلب الصحراء

مزارع السنغال: القصة الكاملة لتأمين إمدادات الغذاء في بريطانيا من قلب الصحراء

مزارع السنغال: اللاعب الجديد في خارطة الأمن الغذائي البريطاني

إذا كنت ممن يتسوقون في كبرى المتاجر البريطانية مثل تيسكو أو سينسبري خلال أشهر الشتاء، فمن المحتمل جداً أن تكون الخضروات التي تضعها في سلتك قد قطعت رحلة طويلة من حافة الصحراء الكبرى. أصبحت مزارع السنغال اليوم ركيزة أساسية في سلسلة توريد الغذاء للملكة المتحدة، حيث تحولت هذه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا إلى مصدر حيوي لمحاصيل مثل الذرة، الفاصوليا الخضراء، والبصل الربيعي.

في منطقة سانت لويس شمال السنغال، حيث تلامس الرمال القاحلة أطراف النهر، تدير شركات بريطانية كبرى مثل “جي فريش” و”بارفوتس” عمليات زراعية ضخمة. هذه المنطقة التي كانت تُعتبر يوماً أرضاً جرداء، تحولت بفضل استثمارات تقدر بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية إلى واحة خضراء تمتد على مساحات تعادل آلاف ملاعب كرة القدم.

التكنولوجيا التي روضت الصحراء

بدأت قصة مزارع السنغال في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما استخدم المهندس الزراعي الفرنسي مايكل لوران تقنيات “غوغل إيرث” لتحديد مواقع زراعية بكر. اكتشف لوران أن سانت لويس توفر مزيجاً مثالياً من سطوع الشمس الدائم ووفرة المياه بفضل نهر السنغال الذي يمتد لمسافة 1600 كيلومتر.

اليوم، تعتمد هذه المزارع على شبكة معقدة من القنوات والمضخات التي تنقل مياه النهر لري الأراضي الرملية الجافة. وتُظهر الأرقام أن شركة “جي فريش” وحدها تورد أسبوعياً نحو مليوني حزمة من البصل الأخضر و100 طن من الفاصوليا الخضراء للسوق البريطانية، بينما يضخ المشروع المشترك لشركة “بارفوتس” 55 مليون كوز ذرة سنوياً في المتاجر البريطانية.

لماذا الهروب من أوروبا نحو غرب أفريقيا؟

هناك عدة عوامل دفعت بريطانيا لتعزيز اعتمادها على مزارع السنغال. أولاً، التغير المناخي والجفاف المتزايد في إسبانيا وجنوب أوروبا جعل إمدادات الغذاء التقليدية غير مستقرة. ثانياً، تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) قللت من المزايا التنافسية للاستيراد من القارة الأوروبية.

بالإضافة إلى ذلك، تتمتع السنغال باستقرار سياسي فريد في منطقة مضطربة، حيث لم تشهد أي انقلاب عسكري، مما يوفر بيئة آمنة للاستثمارات طويلة الأجل. كما أن تكلفة العمالة تلعب دوراً حاسماً؛ ففي حين تمثل العمالة 60% من تكلفة إنتاج البصل الربيعي في بريطانيا، فإنها لا تتجاوز الثلث في السنغال، مما يجعل المنتج السنغالي منافساً قوياً حتى مع إضافة تكاليف الشحن البحري.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي: فرص وتحديات

على الصعيد المحلي، وفرت مزارع السنغال نحو 9 آلاف وظيفة، معظمها للنساء، في مناطق تعاني من معدلات بطالة مرتفعة تصل إلى 19%. ورغم أن الأجور تظل عند مستويات الحد الأدنى (حوالي 4.5 دولار يومياً)، إلا أنها تشكل شريان حياة للكثير من العائلات الريفية. ويقول المستثمرون إن الحفاظ على هذه الأجور المنخفضة ضروري لضمان القدرة التنافسية للمنتجات في الأسواق العالمية.

ومع ذلك، لا يزال النقاش قائماً حول مفهوم “الاستعمار الجديد” وحقوق الأرض، رغم أن القوانين السنغالية تمنع تملك الأجانب للأراضي وتفرض نظام عقود الإيجار طويلة الأمد المبرمة مع المجتمعات المحلية والحكومة.

الجدل البيئي: أميال الغذاء مقابل الاستدامة

من الناحية البيئية، يثير شحن الخضروات لمسافة 3 آلاف ميل تساؤلات حول البصمة الكربونية. فرغم أن الشحن البحري أقل ضرراً من الشحن الجوي، إلا أنه لا يزال يسهم في الانبعاثات العالمية. ويجادل خبراء البيئة، مثل الأستاذ تيم لانغ، بضرورة العودة إلى استهلاك المحاصيل الموسمية المحلية بدلاً من الاعتماد على سلاسل توريد عابرة للقارات لتلبية رغبات المستهلكين في الحصول على جميع أنواع الخضروات طوال العام.

في نهاية المطاف، تظل مزارع السنغال نموذجاً حياً لكيفية إعادة تشكيل العولمة والمناخ لطبق الطعام البريطاني، حيث تتقاطع مصالح الشركات الكبرى مع احتياجات التنمية في أفريقيا ورغبات المستهلكين في لندن.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *