مقدمة: مخاض عالمي بين التحولات الجيوسياسية والضوابط الحقوقية
يشهد العالم اليوم حراكاً فكرياً وسياسياً واسعاً يتناول طبيعة التوازنات الدولية الكبرى، في ظل تزايد القلق من تراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية وصعود القوى البديلة. رصدت جولة الصحافة العالمية سلسلة من المقالات التحليلية التي تربط بين أزمات الثقة في السياسة الخارجية، والتهديدات التي تواجه الحريات المدنية، وصولاً إلى الفوضى الرقمية التي تعصف بمنصات التواصل الاجتماعي.
سوناك يحذر: لا تستبدلوا “الفيل الأمريكي” بـ “النار الصينية”
في مقال رأي لافت في صحيفة “التايمز”، رسم رئيس الوزراء البريطاني السابق، ريشي سوناك، خارطة طريق للتعامل مع الواقع الدولي الجديد. سوناك استشهد بتشبيه تاريخي لرئيس الوزراء الكندي الأسبق بيير ترودو، واصفاً العلاقة مع الولايات المتحدة بالنوم بجوار “فيل”؛ حيث تتأثر الدول بكل حركة يصدرها. ومع ذلك، أكد سوناك أن هذا الفيل الأمريكي كان، في معظم الأحيان، قوة اعتدال وفرت الأمن والاستقرار للنظام الدولي القائم على القواعد.
وحذر سوناك بشدة من التوجه نحو بكين كبديل لواشنطن، معتبراً أن “القفز من المقلاة الأمريكية إلى النار الصينية” هو خطأ استراتيجي فادح. وأوضح أن الرئيس الصيني يستخدم التجارة كسلاح هجومي بشكل أكثر عدوانية من أي إدارة أمريكية سابقة. بدلاً من ذلك، دعا سوناك الدول “المتوسطة” إلى تعزيز قوتها الصلبة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد، مشدداً على أن النمو الاقتصادي لم يعد ترفاً، بل ضرورة قصوى للأمن القومي.
أزمة التعديل الرابع: هل تقوض إدارة الهجرة الأمريكية الدستور؟
انتقالاً إلى الشأن الحقوقي والقانوني في الولايات المتحدة، فجر أستاذ القانون بجامعة هارفارد، نواه فيلدمان، عبر مقال في “بلومبيرغ” قضية من العيار الثقيل تتعلق بانتهاك حرمة المنازل. وسلط الضوء على مذكرة مسربة تفيد بأن عملاء إدارة الهجرة والجمارك (ICE) قد يقتحمون المنازل دون أوامر قضائية، بناءً على شكوك إدارية فقط.
ويرى فيلدمان أن هذا التوجه يضرب جوهر “التعديل الرابع” للدستور الأمريكي، الذي يحمي المواطنين من التفتيش والمصادرة غير القانونية. وأكد أن استبدال المذكرات القضائية المستقلة بـ “مذكرات إدارية” يوقعها العملاء أنفسهم هو انزلاق نحو الدكتاتورية التنفيذية. وحذر من أن السماح بهذا النوع من التجاوزات تحت ذريعة ملاحقة المقيمين غير الشرعيين يفتح الباب أمام أي وكالة فيدرالية مستقبلاً لانتهاك خصوصية أي مواطن أمريكي، بغض النظر عن انتمائه السياسي.
منصات التواصل الاجتماعي: لماذا لا يكفي حظر الصغار للإصلاح؟
وفي ملف التكنولوجيا والمجتمع، ناقشت صحيفة “الفايننشال تايمز” الجدل الدائر حول حظر الأطفال دون سن 16 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي. جاي غرابير، الرئيس التنفيذي لمنصة “بلوسكاي”، جادل بأن المشكلة لا تكمن في أعمار المستخدمين بقدر ما تكمن في “هيكلية” هذه المنصات التي يسيطر عليها قلة من الأوليغارشيين التكنولوجيين.
وأشار غرابير إلى أن المنصات الكبرى مثل “إكس” و”فيسبوك” صُممت لتحقيق أقصى قدر من التفاعل بصرف النظر عن التكلفة الاجتماعية، مما خلق بيئة سامة. ورأى أن القوانين التي تفرض التحقق من العمر، رغم نيتها الطيبة، قد تعزز من هيمنة الشركات العملاقة وتقيد المنافسة والابتكار. وبدلاً من سياسات المنع، دعا غرابير إلى خلق إطار تنظيمي يشجع على استقلالية المستخدمين وقدرتهم على نقل بياناتهم وعلاقاتهم بين المنصات، مما يجبر الشركات على تحسين معايير السلامة للاحتفاظ بجمهورها.
خلاصة: عالم يبحث عن توازن جديد
تُظهر هذه التحليلات أن العالم يمر بمرحلة انتقالية حرجة؛ حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية مع المبادئ الدستورية والتحديات الرقمية. إن الرسالة المشتركة بين هذه المقالات هي ضرورة العودة إلى الأصول: تعزيز السيادة الوطنية المستندة إلى القوة الذاتية، حماية الحقوق الدستورية من توغل السلطة التنفيذية، وكسر الاحتكارات الرقمية لصالح بيئة إلكترونية أكثر أماناً وحرية.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً