مستقبل تونس الغامض: هل ينهار ‘المبنى’ السياسي فوق رؤوس الجميع؟ تحليل لعمق الأزمة

مستقبل تونس الغامض: هل ينهار ‘المبنى’ السياسي فوق رؤوس الجميع؟ تحليل لعمق الأزمة

تونس بين مطرقة السلطة وسندان المعارضة: تفكيك المشهد السياسي المعقد

تعيش النخب التونسية حالة من التخبط المستمر، فكلما لاح في الأفق سيناريو للتغيير، سرعان ما يتبخر أمام واقع سياسي مغاير تماماً. يتسم الوضع السياسي في تونس حالياً بحالة من اليأس الشعبي، وسط تقارير متضاربة حول صراعات أروقة السلطة وتسريبات تخص صحة الرئيس، يقابلها خطاب رئاسي يزداد حدة وتحدياً لخصومه.

لغز صمود السلطة ومأزق المعارضة

يطرح التساؤل نفسه بقوة: لماذا تبدو المعارضة التونسية، بخبرتها الطويلة في النضال الميداني، عاجزة تماماً أمام نهج الرئيس قيس سعيد؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نفهم أن ما حدث بعد 25 يوليو 2021 ليس مجرد تغيير عابر، بل هو إعادة هيكلة جذرية للدولة التونسية.

استراتيجية التفكيك: كيف أعاد قيس سعيد بناء المشهد؟

اعتمد الرئيس التونسي على رؤية تفكيكية استهدفت تغيير "محركات" الدولة، مستخدماً ما يسميه عالم الاجتماع بيير بورديو "السلطة الرمزية". لقد أعاد صياغة التحالفات حول خمس حلقات أساسية كانت تدير البلاد قبل الثورة، وهي:

  • المؤسستان العسكرية والأمنية: الاستفادة من تقاليد الانصياع للرئاسة لضبط المشهد السياسي والنقابي.
  • اليسار الوظيفي: استخدام بعض القوى اليسارية كأداة لضرب الخصوم السياسيين التقليديين.
  • حركة تونس إلى الأمام: استدراج المحيط النقابي لتهدئة الجبهة الاجتماعية.
  • المنشقون عن الإسلام السياسي: جذب أطياف من الإسلاميين الخارجين عن سياق حركة النهضة.
  • القوى الشعبوية: الاستناد إلى خطاب الشفافية والوطنية للقضاء على ما وُصف بـ "الفوضى".

التحالفات الدولية: اللعب على وتر التوازنات الإقليمية

لم ينجح قيس سعيد في الداخل فحسب، بل وظف بذكاء علاقات الدولة العميقة مع قوى إقليمية ودولية. استفاد النظام من دعم أنظمة تخشى رياح الثورات، كما استثمر في ملفات حساسة مثل "مكافحة الإرهاب" و"الهجرة غير الشرعية" لضمان صمت العواصم الغربية.

  1. المحور الإيطالي-الفرنسي: استغلت تونس هواجس الهجرة لدى روما، والمصالح الثقافية والاقتصادية لباريس لضمان استقرار الدعم الأوروبي.
  2. التوازن الأمريكي: استفادت السلطة من سياسة "غض الطرف" الأمريكية المنشغلة بملفات دولية أخرى، مقابل استقرار أمني وعسكري في المنطقة.
  3. العلاقات المغاربية: إعادة تموضع تونس ضمن ثالوث (تونس، الجزائر، ليبيا) بعيداً عن المحاور التقليدية السابقة.

حقيقة الانهيار: البناية التي تسقط من الداخل

يشبه الوضع الحالي في تونس بناية شاهقة تبدو قائمة من الخارج، بينما تنخر التصدعات أساساتها. التغيير الذي أحدثه سعيد لم يقتصر على القمع السياسي، بل شمل:

  • تدجين الاحتجاجات: تحويل العمل المعارض إلى نشاط روتيني يتطلب ترخيصاً مسبقاً.
  • تغيير البوصلة الدبلوماسية: الارتباط بمحاور جديدة وتجميد العلاقات التقليدية.
  • شلل المعارضة: التي اكتفت بخطابات تقليدية ومطالب بإطلاق سراح المعتقلين، دون تقديم مشروع وطني بديل.

الخاتمة: نحو جلطة سياسية محتومة؟

إن مأساة المرحلة الحالية ليست في قوة السلطة فحسب، بل في "الصمت المروع" للفئات الفاعلة وانسحاب الشعب من دائرة الفعل السياسي. إذا لم تنجح المعارضة في بناء استراتيجية عمل ضخمة تتجاوز الشعارات القديمة، فإنها تخاطر بالاستيقاظ على انهيار كامل للبناية التونسية، حيث لن تنفع حينها أي حلول ترقيعية لما يمكن وصفه بـ "الجلطة السياسية" القاضية.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *