بين مطرقة الضغوط الدبلوماسية الأمريكية وسندان الواقع الميداني المتفجر، يجد لبنان نفسه اليوم في قلب عاصفة سياسية كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتلامس عمق الإستراتيجية الإيرانية في المنطقة. السؤال الذي يتردد في أروقة صنع القرار من بيروت إلى طهران: هل وصلت العلاقة العضوية بين "الجمهورية الإسلامية" و"حزب الله" إلى نقطة التحول التي قد تدفع طهران لإعادة حساباتها، أم أن ما يربط الطرفين أعمق من أن تزعزعه التهديدات؟
التحول في الأجندة الأمريكية: من التهدئة إلى نزع السلاح الشامل
لم تعد المطالب الأمريكية تجاه لبنان تقتصر على الحفاظ على توازنات "الخط الأزرق" أو تنفيذ القرار 1701 بصيغته التقليدية. فقد شهدت السياسة الخارجية لواشنطن تحولاً جذرياً؛ حيث انتقلت من المطالبة بانسحاب حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، لتصل إلى سقف مرتفع جداً يتمثل في "نزع السلاح الكامل".
ارتبط هذا التوجه بأسماء دبلوماسية تركت أثراً جدلياً في بيروت:
- مورغان أورتاغوس: التي تبنت خطاباً هجومياً اعتبرت فيه أن الانسحاب من الجنوب "مجرد خطوة غير كافية"، مشددة على ضرورة تجريد الحزب من ترسانته كشرط لأي دعم مالي أو سياسي.
- توم براك: الذي خلف أورتاغوس وحمل معه "وثيقة رسمية" تضع نزع السلاح في مقدمة الأهداف، مما وضع الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام أمام تحدٍّ وجودي لضبط السلاح وحصره في يد الدولة.
الصدام اللبناني-الإيراني: السيادة في مواجهة "النفوذ الإقليمي"
أحدثت التحركات الأمريكية والردود الإيرانية عليها شرخاً غير مسبوق في العلاقات الدبلوماسية بين بيروت وطهران. فبينما كانت الحكومة اللبنانية تحاول صياغة خطة وطنية لحصر السلاح بيد الجيش، جاءت التصريحات الإيرانية لتسكب الزيت على النار.
وصف المسؤولون اللبنانيون، وعلى رأسهم الرئيس جوزيف عون، التدخلات الإيرانية بأنها "تجاوز مرفوض للسيادة". وفي لقاء وُصف بأنه الأشد توتراً في تاريخ البلدين، أبلغ عون المبعوث الإيراني علي لاريجاني بوضوح: "لا يحق لأي جهة الاستقواء بالخارج أو حمل السلاح خارج إطار الدولة".
صراع الأجنحة في طهران: هل يدفع حزب الله ثمن "التنمية الداخلية"؟
داخل إيران، لم يعد الموقف تجاه دعم الأذرع الإقليمية محل إجماع مطلق. هناك تياران يتصارعان على هوية السياسة الخارجية:
- التيار المحافظ (الحرس الثوري): يرى في حزب الله خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الإيراني وامتداداً حيوياً لا يمكن التفريط فيه.
- التيار الإصلاحي: الذي يمثله وجوه مثل جواد ظريف، والذي بدأ يعبر علناً عن استيائه من الأثمان الباهظة التي تدفعها إيران (عزلة وحصار) مقابل دعم جماعات لم تطلق "رصاصة واحدة" للدفاع عن مصالح إيران المباشرة، حسب تعبيره في منتدى الدوحة.
الحقيقة المرة: هل تخلت إيران عن الحماية العسكرية للحزب؟
المفاجأة الكبرى جاءت من خلف الكواليس، حيث تشير تقارير إلى أن إيران أبلغت قيادات حزب الله صراحةً بأنها "لن تكون قادرة على التدخل عسكرياً" في حال شنت إسرائيل هجوماً شاملاً. هذا "الانكفاء الإستراتيجي" يعود لعدة أسباب:
- الأزمة الاقتصادية: العقوبات الخانقة التي أضعفت قدرة طهران على التمويل المستدام.
- الاختلال الإستراتيجي: تفوق التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية الذي جعل كلفة المواجهة المباشرة غير محتملة للنظام الإيراني.
- الرغبة في الانفتاح: محاولات طهران ترميم علاقاتها مع دول الجوار لتجنب العزلة التامة.
الجذور الأيديولوجية: لماذا يصعب "الطلاق" بين الطرفين؟
رغم كل الضغوط، يظل فك الارتباط بين طهران


اترك تعليقاً