السدم الكوكبية: حين يتحول موت النجوم إلى لوحات فنية مذهلة
عندما نوجه تلسكوباتنا نحو أعماق الفضاء، لا نرى مجرد نقاط مضيئة، بل نصطدم بسحب ضبابية ساحرة تبدو كأنها أنفاس كونيّة قديمة. هذه الأجسام، المعروفة باسم السدم، ليست مجرد زينة للسماء، بل هي مختبرات كونية تحكي قصة ولادة وفناء النجوم.
ما هي السدم؟ وتاريخ اكتشافها العربي
تعود كلمة "نيبيولا" (Nebula) إلى اللغة اللاتينية وتعني "السحابة". تاريخياً، كان العرب سبّاقين في رصد هذه الظواهر، حيث أطلقوا عليها اسم "اللطخات السحابية". ويُعد العالم الفلكي عبد الرحمن الصوفي الرازي أول من وصف مجرة "المرأة المسلسلة" (أندروميدا) في كتابه الشهير "صور الكواكب الثمانية والأربعين"، والذي ظل مرجعاً أساسياً لأسماء النجوم لقرون طويلة.
ببساطة، السديم هو تجمع هائل من الغاز والغبار الكوني، ويمثل إما مهداً لنجوم تولد، أو بقايا لنجوم تحتضر.
أنواع السدم في الكون
يصنف علماء الفلك السدم إلى أربعة أنواع رئيسية:
- السدم الانبعاثية: تتوهج ذاتياً بفعل إشعاع النجوم الفتية.
- السدم الانعكاسية: تعكس ضوء النجوم المجاورة.
- السدم المظلمة: تحجب الضوء خلفها وتظهر كبقع سوداء.
- سدم بقايا السوبرنوفا: ناتجة عن انفجارات النجوم الضخمة، مثل سديم السرطان.
لكن هناك نوعاً خاصاً يأسر قلوب الهواة والعلماء على حد سواء، وهو السديم الكوكبي.
لغز السدم الكوكبية: نهاية تشبه مستقبلنا
على الرغم من تسميتها، لا علاقة لهذه السدم بالكواكب. هي في الواقع المرحلة الأخيرة في حياة نجم يشبه شمسنا. عندما يلفظ النجم طبقاته الخارجية، تبقى نواته كـ "قزم أبيض" يطلق أشعة فوق بنفسجية تجعل الغازات المحيطة تتوهج بألوان مذهلة. إن رصد هذه السدم هو بمثابة النظر في مرآة الزمن لرؤية مستقبل مجموعتنا الشمسية.
إليك قائمة بأشهر 5 سدم كوكبية يمكنك رصدها والاستمتاع بجمالها:
1. سديم الأثقال (M27) – Dumbbell Nebula
يقع في كوكبة الثعلب، وهو أول سديم كوكبي تم اكتشافه (عام 1764). يتميز بشكله الذي يشبه الساعة الرملية أو أثقال الرياضة. يبلغ عمره حوالي 9000 سنة، ويظهر بتلسكوبات صغيرة بلون أخضر ناعم ناتج عن الأكسجين المتأين.
2. السديم الحلقي (M57) – Ring Nebula
أيقونة السماء الصيفية في كوكبة القيثارة. يبدو كحلقة دخان زرقاء معلقة في الفراغ. يتمدد غلافه الغازي بسرعة 50 كم في الثانية، ويبعد عنا حوالي 2300 سنة ضوئية. إنه مثال حي للكمال الهندسي في الكون.
3. سديم كرة الثلج الزرقاء (NGC 7662)
جوهرة خريفية تلمع في كوكبة المرأة المسلسلة. يكتسب لونه الأزرق الجذاب من حرارة القزم الأبيض في مركزه، والتي تصل إلى 75 ألف درجة مئوية. عند تكبيره، يظهر كقرص ضبابي غني بالتفاصيل الطبقية.
4. السديم الومّاض (NGC 6826) – Blinking Nebula
يقع في كوكبة الدجاجة، ويشتهر بخدعة بصرية مذهلة. عند النظر إليه مباشرة يختفي السديم ويظهر النجم المركزي، وعند استخدام "الرؤية الجانبية" يظهر السديم فجأة. هذه الظاهرة تجعل رصده تجربة تفاعلية ممتعة لهواة الفلك.
5. سديم الأثقال الصغير (M76) – Little Dumbbell
يقع بين برشاوس والمرأة المسلسلة، وهو أحد أصعب الأهداف في فهرس مسييه، لكنه الأكثر مكافأة للصابرين. يتميز ببنية ثنائية معقدة وشريط مظلم يفصل بين جزأيه، مما يجعله تحفة فنية تتطلب دقة في الرصد.
خاتمة: رسالة من أعماق الزمن
السدم الكوكبية ليست مجرد غازات متوهجة، بل هي شواهد حية على دورة الحياة الكونية. في كل مرة تنظر فيها إلى سديم كوكبي، تذكر أنك تشاهد نهاية رحلة نجم وبداية لوحة ستظل تلهم البشر لآلاف السنين القادمة. سماء الليل مليئة بالقصص، وما السدم إلا أجمل فصولها.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً