مستقبل صناعة أشباه الموصلات في الهند: هل تنجح نيودلهي في كسر الهيمنة العالمية؟

مستقبل صناعة أشباه الموصلات في الهند: هل تنجح نيودلهي في كسر الهيمنة العالمية؟

الهند وتحدي السيادة الرقمية في عالم الشرائح

تخطو الهند خطوات حثيثة نحو تحقيق استقلال تكنولوجي كامل من خلال الدخول بقوة في صناعة أشباه الموصلات في الهند، وهو القطاع الذي بات يمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي الحديث. بالنسبة لشركات مثل ‘تيجاس نتووركس’ ومقرها بنغالور، لا يعد توافر إمدادات موثوقة من الشرائح مجرد مسألة تجارية، بل هو ضرورة قصوى لتشغيل شبكات الاتصالات والإنترنت فائق السرعة التي تعتمد عليها الملايين في ثاني أكبر سوق للاتصالات في العالم.

من التصميم إلى التصنيع: سد الفجوة الكبرى

لطالما عُرفت الهند ببراعتها الفائقة في تصميم الدوائر المتكاملة، حيث تشير التقديرات إلى أن 20% من مهندسي أشباه الموصلات في العالم يتواجدون داخل حدودها. ومع وجود مراكز تصميم لكبرى الشركات العالمية في مدن مثل بنغالور، تفتقر البلاد تاريخياً إلى ‘المصانع’ (Fabs) التي تحول هذه التصاميم إلى واقع ملموس. هذا التناقض أجبر الشركات الهندية لسنوات على تصميم ابتكاراتها محلياً وشحنها للتصنيع في تايوان أو الصين، مما جعلها عرضة لتقلبات سلاسل التوريد العالمية.

دروس الجائحة ومخاطر التركز الجغرافي

كشفت جائحة كورونا عن هشاشة النظام العالمي لتصنيع الإلكترونيات، حيث أدى تركز الإنتاج في مناطق محدودة إلى أزمات خانقة في مختلف القطاعات، من السيارات إلى الهواتف الذكية. ويؤكد أميتيش كومار سينها، وكيل وزارة الإلكترونيات الهندية، أن هذه التجربة القاسية كانت الدافع وراء إطلاق استراتيجية وطنية لبناء منظومة متكاملة لأشباه الموصلات، تهدف إلى تعزيز القدرة على الصمود وتقليل المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن الاعتماد الكلي على الخارج.

استراتيجية التدرج: لماذا بدأت الهند بمرحلة التغليف؟

تدرك الهند أن بناء مصانع متطورة للنقش على السيليكون (Wafer Fabrication) يتطلب استثمارات هائلة وتقنيات معقدة تهيمن عليها حالياً شركات عملاقة مثل TSMC. لذلك، تبنت نيودلهي نهجاً ذكياً يبدأ من ‘المرحلة الثالثة’ وهي التجميع والاختبار والتغليف (OSAT). هذا المسار، بحسب خبراء جمعية ‘IESA’، يعد بوابة الدخول الأسهل والأسرع لإنشاء قاعدة تصنيعية صلبة قبل الانتقال إلى مراحل التصنيع الأكثر تعقيداً.

كاينيس سيميكون.. قصة نجاح أولية وتحديات واقعية

تمثل شركة ‘كاينيس سيميكون’ نموذجاً عملياً لهذا التحول، حيث استثمرت نحو 260 مليون دولار في مصنع بولاية غوجارات، بدأ إنتاجه بالفعل في أواخر عام 2025. ورغم أن المصنع لا ينتج الشرائح الأكثر تقدماً المستخدمة في أحدث الهواتف الذكية أو تدريب الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يركز على قطاعات استراتيجية مثل السيارات، الصناعات الدفاعية، والاتصالات. هذه الشرائح، وإن كانت أقل بريقاً تكنولوجياً، إلا أنها تتمتع بأهمية اقتصادية قصوى وتلبي احتياجات السوق المحلية الضخمة.

تحدي الكوادر البشرية والتحول الثقافي

لا يقتصر التحدي في صناعة أشباه الموصلات على الآلات باهظة الثمن فحسب، بل يمتد إلى ‘الثقافة الصناعية’. فالعمل في غرف نظيفة يتطلب مستويات من الانضباط والتوثيق والتحكم في العمليات تختلف جذرياً عن التصنيع التقليدي. وتواجه الشركات الهندية حالياً تحدي تدريب الكوادر البشرية وتحويل الخبرة الأكاديمية إلى مهارة احترافية، وهو تحدٍ لا يمكن اختصاره في وقت قصير، بل يتطلب سنوات من الممارسة الميدانية.

مستقبل واعد وطريق طويل نحو النضج

يتطلع المبتكرون مثل أرنوب روي، الشريك المؤسس لـ’تيجاس نتووركس’، إلى عقد قادم تشهد فيه البلاد ظهور قاعدة تصنيعية عملاقة تدعم الابتكار المحلي بشكل مباشر. وبينما لا تزال الرحلة في بدايتها، فإن الإرادة السياسية والدعم الحكومي يشيران إلى أن الهند لم تعد تكتفي بكونها ‘مكتب التصميم’ للعالم، بل تسعى لتكون المصنع الذي يضمن استقرار التكنولوجيا العالمية في المستقبل، وهو طريق يحتاج بالتأكيد إلى ‘رأس مال صبور’ ووقت طويل للنضوج.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *