مع استعداد وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” لإطلاق مهمة “أرتميس 2” (Artemis II)، يعود سباق العودة إلى القمر إلى واجهة الأحداث العالمية بقوة. تهدف هذه المهمة إلى إرسال أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر والعودة إلى الأرض خلال عشرة أيام، وذلك لاختبار الأنظمة والتقنيات التي ستمهد الطريق لهبوط البشر على سطح القمر بحلول عام 2028 ضمن مهمة “أرتميس 4”. لكن طموح “ناسا” هذه المرة يتجاوز مجرد الزيارة العابرة التي ميزت حقبة “أبولو” في الستينيات والسبعينيات؛ إذ تهدف الوكالة إلى تأسيس وجود بشري مستدام وطويل الأمد على سطح القمر.
استغلال الموارد: جوهر المهمة ومعضلة القانون
يكمن الاختلاف الجوهري في برنامج “أرتميس” في فكرة بناء قاعدة قمرية تسمح لرواد الفضاء بالعيش لأسابيع أو حتى أشهر. ولتحقيق ذلك، تعتمد “ناسا” على استراتيجية تُعرف باسم “استخدام الموارد في الموقع” (In-situ Resource Utilization). فبدلاً من نقل كافة الإمدادات من الأرض بتكلفة باهظة، تخطط الوكالة لاستخراج الجليد من القمر وتحويله إلى ماء، واستخلاص الأكسجين، بل والبحث عن معادن نادرة مثل “الهيليوم-3″ و”الاسكانديوم” المستخدم في الصناعات الإلكترونية.
ورغم أن هذا التوجه يبدو منطقياً من الناحية التقنية، إلا أنه يفتح باباً واسعاً من الجدل القانوني. ويرى خبراء في قانون الفضاء أن استخراج الموارد من الأجرام السماوية قد يشكل انتهاكاً مباشراً للقوانين الدولية القائمة، وعلى رأسها “معاهدة الفضاء الخارجي” الموقعة عام 1967، والتي تنص صراحة على أن الفضاء ملك للبشرية جمعاء ولا يجوز لأي دولة إعلان سيادتها على أي جرم سماوي.
“اتفاقيات أرتميس”: محاولة لإعادة صياغة القواعد
لمواجهة هذه المعضلات القانونية، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية تكتيكية من خلال “اتفاقيات أرتميس”. هذه الاتفاقيات ليست معاهدة دولية ملزمة تحت مظلة الأمم المتحدة، بل هي تفاهمات ثنائية وقعت عليها أكثر من 60 دولة ترغب في المشاركة في البرنامج. تتضمن هذه الاتفاقيات بنوداً تشرع استخراج واستخدام الموارد القمرية، وتدعي أن ذلك لا يتعارض مع مبدأ “عدم التملك”.
الأمر الأكثر إثارة للجدل هو بند “مناطق السلامة” (Safety Zones)، الذي يسمح للدول بإنشاء مناطق حول أنشطتها القمرية يُمنع الآخرون من التدخل فيها. ويرى منتقدون، مثل كاساندرا ستير، خبيرة قانون الفضاء، أن هذه الخطوة هي محاولة “لالتفاف قانوني” لفرض سيادة أمر واقع، حيث تمنح الأولوية لمن يصل أولاً ويستولي على المواقع الاستراتيجية الغنية بالموارد، مما يذكرنا بـ “حمى الذهب” التاريخية أو عمليات الاستيلاء على الأراضي في الغرب الأمريكي خلال القرن التاسع عشر.
الصراع الجيوسياسي والسباق مع الصين
لا يمكن فصل هذا الجدل القانوني عن الواقع الجيوسياسي؛ فالصين، التي لم توقع على اتفاقيات أرتميس، تمضي قدماً في برنامجها الخاص للهبوط على القمر وتخطط لبناء “محطة أبحاث قمرية دولية” بالتعاون مع روسيا. هذا التنافس المحموم يعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة، حيث لم يعد الهدف مجرد التقدم العلمي، بل إثبات الهيمنة السياسية والتكنولوجية.
ويشير الخبراء إلى أن “ناسا” تبرر برنامجها بضرورة الوصول إلى الموارد لدعم الوجود البشري، بينما الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك؛ وهي السيطرة على المواقع الاستراتيجية في مدار القمر وعلى سطحه. فالفضاء اليوم أصبح ساحة جديدة للمنافسة الجيوسياسية لا تختلف عن الصراع على النفط أو المياه أو الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي.
مستقبل غامض فوق سطح القمر
بينما تسوق “ناسا” لبرنامج أرتميس كخطوة عملاقة نحو استكشاف المريخ وما وراءه، تظل التساؤلات القانونية والأخلاقية قائمة. هل سينجح الإجماع الذي حشدته واشنطن من خلال اتفاقياتها في تغيير “العرف الدولي” وجعل استخراج الموارد أمراً مقبولاً؟ أم أننا سنشهد نزاعات قانونية، وربما ميدانية، فوق سطح القمر في المستقبل القريب؟ الإجابة قد لا تأتي من مختبرات العلوم، بل من ردهات المحاكم الدولية ومراكز القرار السياسي.
المصدر: The Verge


اترك تعليقاً