مضى ثلث رمضان: وقفات للمحاسبة واستدراك ما فات من الشهر

مقدمة: في وداع الثلث الأول من ضيفنا الغالي

أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -عز وجل-؛ فهي الحبل المتين، والزاد للمؤمنين في يوم الدين، يقول الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.

أيها المسلمون، عباد الله: ما أسرع مرور الليالي، وما أعجل انقضاء الأيام! كأنما الساعات تختطف اختطافاً، واللحظات تفر منا فراراً. بالأمس القريب، كانت القلوب تخفق شوقاً، والنفوس تتطلع بلهفة شديدة لبلوغ شهر رمضان المبارك، كنا نعد الأيام والساعات، ونرفع الأكف بالدعاء الصادق: “اللهم بلغنا رمضان”. وها نحن اليوم، نقف مذهولين أمام الحقيقة الماثلة: لقد مضى ثلث رمضان! نعم، لقد أدبرت منه ثنتا عشرة ليلة كأنها لمح البصر أو هو أقرب.

سرعة الزمان وعبرة الأيام

إن هذه السرعة المذهلة في انقضاء الزمان ليست مجرد مرور للأيام، بل هي تذكير لنا بقصر الأعمار، ودنو الآجال. منذ ليالٍ قلائل، كنا نهنئ بعضنا بعضاً ببلوغ الشهر، وكانت الفرحة تغمر الوجوه، والسعادة تملأ القلوب بتلك اللحظات الإيمانية العظيمة. في تلك البدايات، تنادى الموفقون بنداء السماء الخالد: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”. استجاب الموفقون، فمضوا إلى مساجدهم خاشعين، وسارعوا إلى مصاحفهم تالين متدبرين، ورفعوا أكفهم بالدعاء والابتهال، ونوعوا في أعمال البر، فبذلوا الصدقات، وشاركوا في تفطير الصائمين، واعتمر من اعتمر بيت الله الحرام.

ولكن، فجأة وبدون مقدمات، نجد أنفسنا وقد طوينا الثلث الأول من الشهر! فيا سبحان الله! أبهذه السرعة يرحل ثلث الأجر؟ أهكذا تمضي ليالي ضيف خفيف الظل، عظيم القدر، جليل الثواب؟ إننا اليوم، وقد شارف شهرنا على الانتصاف، لا بد لنا من وقفة محاسبة دقيقة وجادة مع أنفسنا.

وقفات للمحاسبة: ماذا أودعنا في صحائفنا؟

إن العاقل هو من يقف مع نفسه وقفة صدق، يسائلها ويحاسبها قبل أن تُحاسب. لنسأل أنفسنا بصدق: ماذا أودعنا في تلك الأيام المباركة التي خلت؟ وبأي شيء أحيينا تلك الليالي النيرة؟

  • علاقتنا مع القرآن: كيف كان حالنا مع كتاب الله الكريم؟ هل كانت تلاوتنا بتدبر وخشوع، أم كانت مجرد هذٍّ كهذِّ الشعر؟
  • حفظ الجوارح: هل صُنّا الجوارح والأطراف، والأسماع والأبصار عما حرم الله؟ هل صامت قلوبنا وألسنتنا كما صامت بطوننا؟
  • القيام والتراويح: هل داومنا على صلاة التراويح، وحرصنا على القيام مع الإمام حتى ينصرف ليُكتب لنا قيام ليلة؟
  • الجود والإحسان: هل فطرنا الصائمين، وأعنّا الفقراء والمحتاجين، وداومنا على بذل الصدقات والصلات؟
  • طلب العتق: هل اجتهدنا في طلب العتق من النيران، وأخذنا بأسباب دخول الجنان في شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار؟

أحقاً ما زال بيننا من لم يقم مع المسلمين في صلاة التراويح ولا ليلة واحدة؟! أحقاً ثمة من لم يختم كتاب ربه ولو مرة واحدة؟ أي حرمان هذا؟ وأي غفلة رانت على القلوب؟

استدراك ما فات واغتنام ما هو آت

أيها المسلمون، لقد دخلنا في الثلث الثاني من رمضان، وبعد أيام قلائل وليالٍ معدودات، سنستقبل العشر الأواخر، وهي أفضل ليالي العام على الإطلاق، وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم. فيا لسعادة من عرف فضل زمانه، وهنيئاً لمن محا بتوبته صحائف عصيانه، ويا فوز من أقبل طائعاً يرجو عتق رقبته وفك رهانه.

إن أيام العتق تنقضي يوماً بعد يوم، ولياليه تذهب ليلة بعد ليلة. الأيام تمضي متسارعة، والأعمار تنقضي بانقضاء الأنفاس، وكل مخلوق سيفنى طال الزمان أم قصر. وهذا شهر الرحمة والغفران يوشك أن يقول وداعاً، ولعل أحدنا لا يلقاه بعد عامه هذا.

ألا فلنصم صيام مودع، ولنصلِّ صلاة مودع، ولنقم قيام مودع، ولنتُب توبة مودع. لنركع خاشعين خاضعين، ولنسجد باكين مخبتين، ولنقف أمام الله داعين منيبين متذللين. ولنعلم يقيناً أن لله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة، ووالله لا يدري أحدنا متى يكون عتيقاً لله؟ أفي أول الشهر، أم في وسطه، أم في آخره؟ فالصبر الصبر، والمرابطة المرابطة، ولنجاهد النفوس على الطاعة لننال هداية المولى سبحانه، فقد قال جل وعلا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

أحوال المفلحين في رمضان

لقد أفلح أناس عرفوا قدر رمضان، فكانوا من صوامه وقوامه حقاً. هؤلاء هم الذين يستغرقون ساعاتهم في تلاوة القرآن، ويعددون الختمات شوقاً وتعبداً. نهارهم صيام وذكر، وليله قيام وتبتل، وساعاتهم إنفاق وبذل وعطاء. قد كفوا أنفسهم عن الشهوات، وحفظوا جوارحهم عن المحرمات. هؤلاء هم الذين يرجون تجارة لن تبور.

يقول الله تعالى في وصفهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ * وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}.

الحذر من التفريط والكسل

أيها المسلمون، رحل الثلث الأول، وها هو النصف يوشك على الرحيل. فيا أيها المجتهد المحسن فيما مضى، دم على طاعتك وإحسانك فيما بقي، واستزد من الخير. ويا أيها المسيء المفرط الغافل، وبخ نفسك على التفريط ولمها على التقصير. قل لي بربك: إذا خسرت في هذا الشهر، فمتى ستربح؟ وإذا لم تتب في رمضان، فمتى ستتوب؟

إلى متى الكسل والتواني؟ وحتى متى التفريط والتهاون؟ كفى لهواً وسهواً ونوماً وغفلة! لقد أوشك النصف من شهرنا على الرحيل، وبين صفوفنا من فاتته صلوات وجماعات، وفينا من آثر النوم على كسب الطاعات، وفضل الراحة على تنويع العبادات. فأحسن الله عزاء من قصر في ثلث شهره الأول وجبر مصيبته، وأحسن له استقبال بقية الموسم العظيم.

إن علينا أن نصلح نياتنا، وأن نري الله من أنفسنا خيراً. الله الله أن يتكرر منا شريط التهاون، أو تستمر فينا دواعي الكسل، فلقيا الشهر مرة أخرى غير مؤكدة، ورحيل الإنسان منتظر في كل لحظة. إنكم في شهر كريم وموسم عظيم، فقدروا قدره واغتنموه، ولا تكونوا من الذين يفرطون ويتتهاونون حتى يأتيهم الموت بغتة.

تذكروا قول الله عز وجل في عاقبة المفرطين: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ}.

الخاتمة: المداومة على القليل الدائم

فاتقوا الله عباد الله، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه غداً عند ربكم، وداوموا على فعل الخير ولو كان قليلاً، فقد كان أحب العمل إلى نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ما داوم عليه صاحبه وإن قل. قال عليه الصلاة والسلام: «اِكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» (رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني).

ليكن لنا في رسول الله أسوة حسنة، ولنجتهد فيما بقي من الشهر، فلعل في البقية ما يمحو تقصير ما مضى، ولعل في الليالي القادمة ليلة تكون سبب نجاتنا من النار. اللهم اجعلنا ممن صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجنات النعيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *