# معالم في طريق التوبة: رحلة العودة إلى رحاب الله
لا تزال مواكب النور تمضي قُدُماً عبر الزمان، وقوافل العائدين يتلو بعضها بعضاً في امتداد عريق لا ينقطع أثره. إنه الركب المبارك الذي سار فيه آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-، ثم تلاهم الصحابة الأخيار، والتابعون الأطهار، وكل عبدٍ برٍّ تقيٍّ اختار طريق النجاة.
تلك هي قوافل التائبين، ومواكب العائدين، ومراكب الناجين.. تلوح على وجوههم إشراقة الإيمان، وتفوح من أرواحهم نفحة الرضا، يجدون في الخلوة أُنساً، وفي العبادة جلالاً، وفي الطاعة جمالاً؛ {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. عرفناهم بدموعهم الهتانة في جوف الليل، وبأقدامهم التي راوحت بين القيام والركوع، وبأيديهم التي امتدت بالعطاء الجزيل والتبرع السخي، وبألسنتهم التي لا تفتر عن تلاوة القرآن وترتيله وتدبره.
نداء إلى قوافل العائدين
فيا قوافل التائبين! أهلاً وسهلاً بكم في رحاب الله. كيف لا نفرح بالتائبين وقد فرح بهم رب العالمين؟ إن مجلسنا اليوم مع هؤلاء العائدين، وحديثنا عنهم؛ لأن القلوب تلين عند سماع أخبارهم، والأفئدة ترقُّ عند ذكر أحوالهم. يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “جالسوا التوابين؛ فإنهم أرقُّ شيء أفئدة”.
يا معشر التائبين! من الذي أقامكم في مقام الطاعة وأقعدنا؟ ومن الذي قرَّبكم من حماه وأبعدنا؟ {إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 11]. قفوا لأجل مريض القلب، وارحموا من عطبته الذنوب، وإن كرهتم لنا الصحبة فاجعلونا في خدمتكم، نعوذ بالله من الحرمان ونسأله العفو والغفران.
وحتى نلمَّ شتات هذا الموضوع العظيم، سنرسم معاً معالم تضيء الطريق، لعلها تدفع سائراً، وتوقظ حائراً، وتقيم عاثراً.. والله يتولى الجميع بإحسانه.
المعلم الأول: المبادرة وترك التسويف
إن أول خطوة في طريق العودة هي المبادرة، فالعمر قصير، والأمر عسير، والموت يأتي بغتة. قال لقمان الحكيم لابنه: “يا بني! لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة”. إن من يترك المبادرة ويغرق في وحل التسويف يضع نفسه بين خطرين عظيمين:
1. تراكم الران: أن تزداد ظلمة القلب من المعاصي حتى تصبح طبعاً وديناً لا يقبل المحو.
2. مباغتة الأجل: أن يعاجله الموت أو المرض فلا يجد مهلة لتدارك ما فات.
أيها المقصر -وكلنا ذلك الرجل-! إن مواسم الخير تقبل علينا، فإذا لم توقظنا مواعظها فمتى نستيقظ؟ أسفاً لمن يضرب بسياط المواعظ ولا يحس بالألم، ولمن يُدعى إلى النور فيختار الظلم. ألا يكفيك الموت واعظاً؟ لقد اختطف أحبابك وأقرانك، فكم أخرج الموت نفساً من دارها، وكم أنزل أجساداً في قبورها.
يا مغرماً بوصال عيشٍ ناعمٍ .. ستُصدُّ عنه طائعاً أو كارها
إن المنيَّة تزعج الأحرارَ عن .. أوطانهم والطيرَ عن أوكارها
بادر بالتوبة قبل أن تقول النفس: {يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّـهِ} [الزمر: 56].
المعلم الثاني: التوبة وظيفة العمر الدائمة
ليست التوبة محطة عابرة، بل هي وظيفة العمر كله. فهي ليست عن الخطيئة فحسب، بل هي توبة عن التقصير في شكر المنعم وأداء حقه. ومن ذا الذي يوفي الله حقه؟
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً .. عليَّ لـه في مثلها يجب الشكرُ
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله .. وإن طالت الأيام واتَّصل العمرُ؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم -وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة! فكيف بنا ونحن أحوج ما نكون لذلك؟ إن التوبة هي بداية العبد ونهايته، وقد خاطب الله بها أهل الإيمان والصحابة بعد جهادهم وصبرهم فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
المعلم الثالث: إياك واليأس من روح الله
مهما تعاظمت ذنوبك، إياك والقنوط؛ فالله لا يملُّ حتى تملوا. إذا كبوت فقم، وإذا أذنبت فاستغفر، وإذا عدت للذنب فعد للتوبة، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً.
قل للذي أَلِفَ الذنوب وأجرما .. وغــدا على زلاته متندِّما
لا تيأسنَّ واطلب كريماً دائماً .. يولي الجميل تفضُّلاً وتكرُّما
إن استعظام المعصية لدرجة ترك التوبة هو سوء ظن بالله عز وجل. لقد غفر الله لقاتل المائة نفس، وغفر للمشركين حين تابوا، فهل ذنبك أعظم من رحمة الله؟ إذا أذنبت فتب واندم، فقد سبقك أبوك آدم فعصى، فلا تقلده في الذنب وتقعد عن تقليده في التوبة.
المعلم الرابع: مفارقة بيئة المعصية
من أعظم أسباب الثبات قطع كل طريق يوصل إلى الخطيئة. السلامة لا يعدلها شيء، وتلك وصية العالم للرجل الذي قتل مائة نفس حين قال له: «انطلق إلى أرضِ كذا وكذا. فإنَّ بها أُناسًا يعبدون اللهَ فاعبُدِ اللهَ معهم. ولا ترجِعْ إلى أرضِك فإنَّها أرضُ سوءٍ» [صحيح مسلم].
كل ما يذكرك بالمعصية من أصحاب سوء، أو صور، أو مواقع، أو أماكن، هو “أرض سوء” يجب أن تهجرها لتفتح صفحة جديدة مشرقة بالإيمان.
المعلم الخامس: من السلبية إلى الإيجابية في الهداية
أيها التائب! إن قعودك بعد التوبة هو نوع من العجز. كنت قبل الهداية نشيطاً في نشر الضلالة، فكيف ترضى لنفسك أن تكون خمولاً في الحق؟ أجبَّارٌ في الجاهلية خوارٌ في الإسلام؟
لقد كان الشيطان يحرضك على إنفاق مالك ووقتك في الفساد، فلا تدعه اليوم يخوفك الفقر أو يثبطك عن العمل الصالح. {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّـهُ يعدكم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268]. ومن أسرار الثبات الاشتغال بالدعوة إلى الله، فهاجم الباطل بالحق قبل أن يهاجمك.
المعلم السادس: كرامة التائب ومنع التعيير
لا يجوز لأحد أن يعيّر تائباً بذنبٍ مضى، ففي الحديث: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لهُ». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن التائب قد يكون بعد التوبة أفضل منه قبل الخطيئة، كما كان حال داود عليه السلام. إن خيار الأمة من الصحابة كانوا مشركين ثم تابوا، فصاروا خير الخلق بعد الأنبياء.
إن وقوع الذنب من الكبار محتمل، لكن كمالهم في سرعة أوبتهم. العيب ليس في السقوط، بل في الاستسلام للسقوط والخلود إلى الأرض.
تأمل في قصة الفضيل بن عياض، الذي كان يقطع الطريق، فسمع آية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ} [الحديد: 16]، فقال: “بلى يا رب قد آن”، فصار عابد الحرمين.
وانظر إلى القعنبي، الذي كان يشرب النبيذ، فسمع حديثاً واحداً من شعبة: «إذا لَم تَسْتَحِ، فاصنعْ ما شئتَ»، فكان سبباً في توبته حتى صار إماماً في الحديث.
المعلم السابع: كن عوناً لأخيك لا عليه
إذا رأيت عاثراً فخذ بيده، ولا تكن عوناً للشيطان عليه بالسب أو اللعن. حين أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر، قال بعض القوم: “أخزاك الله”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هكذا، لا تُعينُوا عليه الشَّيطانَ» [صحيح البخاري].
كتب عمر بن الخطاب لرجل تتابع في شرب الخمر يذكره برحمة الله ويقرأ عليه: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3]، فبكى الرجل وتاب. فقال عمر: “هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلَّ زلة، فسدِّدوا ووفقوا وادعوا الله أن يتوب عليه”.
المعلم الثامن: التدرج والرفق بالنفس
لا تحمل نفسك فوق طاقتها في بداية الطريق فتنقطع، بل خذها بالتدرج والمجاهدة. كان ابن الجوزي يسمي المبتدئين “صبيان التوبة” ويوصيهم بالرفق بأبدانهم التي اعتادت الترف، مع الحذر من الفتور.
المطلوب هو القصد والدوام، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
المعلم التاسع: الوفاء بالعقد مع الله
أيها التائب! الزم الجادة وداوم على العمل الصالح لتذوق حلاوة الإيمان. التوبة ليست ندم الماضي فقط، بل هي إقلاع في الحاضر وعزم على عدم العودة في المستقبل.
يا معشر التائبين! أوفوا بالعقود، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها. إذا أحسنت في رمضان فاستمر في النفل بعده، والزم القرآن ففيه الشفاء، واصبر نفسك مع الصالحين. وإذا دعتك نفسك للرجوع للوراء، فذكرها بالموعد مع الله وبالرفقة المباركة من النبيين والصديقين، فمن تذكر لذة الوصول هان عليه عناء الطريق.
وإن حننت للحمى وروضه .. فبالغضا ماء وروضات أُخر
نسأل الله أن يجعلنا من التوابين، وأن يثبت قلوبنا على دينه، ويختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين.

اترك تعليقاً