مقدمة: الكون بين الفوضى والتقدير الإلهي
حين نتأمل في سماء الليل المرصعة بالنجوم، أو نغوص في أعماق الذرة المتناهية في الصغر، يبرز تساؤل جوهري طالما حيّر العقول: هل هذا الوجود مجرد ثمرة لصدفات عشوائية تجمعت عبر مليارات السنين، أم هو معمارٌ هندسي شُيّد بعناية فائقة؟ إن العلم الحديث، وخاصة الفيزياء الكونية، بات يتحدث بلغة تقترب كثيراً من لغة الإيمان، وهي لغة (الضبط الدقيق – Fine-Tuning). هذا المفهوم الذي يرى أن الثوابت الفيزيائية والقوانين الطبيعية قد وُضعت بقيم محددة للغاية، لو اختلت بمقدار شعرة لفسد نظام الكون ولما وجدت الحياة. إننا أمام برهانٍ ساطع يتناغم مع قول الحق تبارك وتعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49].
أولاً: ماهية الضبط الدقيق.. لغة الأرقام الصارمة
يعرّف الفيزيائيون الضبط الدقيق بأنه الحالة التي تبدو فيها قوانين الطبيعة وكأنها مصممة خصيصاً لكي تسمح بظهور الحياة. فالثوابت الكونية، مثل ثابت الجاذبية، وسرعة الضوء، وكتلة البروتون، وقوة التفاعل النووي، ليست قيماً عشوائية، بل هي قيم محددة بدقة مذهلة. لنأخذ على سبيل المثال قوة الجاذبية؛ لو كانت أقوى بنسبة ضئيلة جداً لcollapsed (انهار) الكون على نفسه قبل أن تتشكل النجوم، ولو كانت أضعف قليلاً لتشتتت المادة ولم تتجمع الكواكب أبداً.
يقول العلماء إن احتمال وقوع هذا التوازن بمحض الصدفة يشبه احتمال أن يصوب رامٍ سهمًا ليصيب هدفاً صغيراً في الطرف الآخر من المجرة! هذا التقدير الرياضي هو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [الرحمن: 5-7]. فالميزان هنا ليس مجرد ميزان العدل، بل هو ميزان القوانين الكونية التي تضبط حركة كل ذرة ومجرة.
ثانياً: غائية الخلق ونفي العبثية
إن فكرة الضبط الدقيق تقودنا مباشرة إلى مفهوم (الغائية)؛ أي أن هناك هدفاً من وراء هذا الخلق. فالصدفة لا تنتج نظاماً مستداماً، والعشوائية لا تبني معماراً متكاملاً. الإيمان الإسلامي يرسخ هذه الحقيقة، فالله عز وجل لم يخلق الكون لهواً أو عبثاً، بل ليكون مسرحاً لظهور آياته وتجلي أسمائه وصفاته. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ص: 27].
ومن منظور روحي، فإن هذا الانضباط الكوني هو دعوة للإنسان ليدرك قيمته ومسؤوليته؛ فالمكان الذي هيأه الله له بهذا الإتقان يستوجب منه العبودية والشكر. فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من شيء إلا يسبح بحمد الله، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”، وهذا التسبيح هو في الحقيقة انقياد هذه الكائنات للقوانين التي أودعها الله فيها، وهو ما نسميه في العلم “الانسجام الكوني”.
ثالثاً: الأدلة الفيزيائية كشواهد على الوحدانية
تتعدد الشواهد العلمية التي تبرهن على أن الصانع واحد، ومن أهمها وحدة القوانين. فذات القوانين الفيزيائية التي تسري على الأرض، تسري في أبعد مجرة مكتشفة. هذا التماثل الكوني دليل على وحدة المصدر. لو كان هناك أكثر من خالق، لتباينت القوانين واضطرب المعمار، كما قال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء: 22].
- ثابت القوة النووية القوية: لو تغيرت بنسبة 0.5% لما استقر الكربون في الكون، وهو عنصر أساسي للحياة.
- ثابت التوسع الكوني: لو كان معدل التوسع أسرع بمقدار جزء من مليون مليون جزء، لما تشكلت المجرات.
- توازن كتلة الإلكترون والبروتون: فرق ضئيل كان كفيلاً بمنع تكون الجزيئات الكيميائية المعقدة.
كل هذه المعطيات تجعلنا نقف بخشوع أمام عظمة الخالق المصور، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ) [الأعلى: 2-3]. الهداية هنا ليست فقط هداية التشريع، بل هي هداية التكوين؛ أي توجيه كل مخلوق لاداء وظيفته التي خُلق لها ضمن المنظومة الكلية.
رابعاً: الأثر الإيماني والروحاني للتفكر في الضبط الكوني
إن الغرض من دراسة “معمار الضبط الدقيق” ليس مجرد ترف فكري، بل هو وسيلة لتعميق الإيمان وتجديد الصلة بالله. حين يدرك المؤمن أن الله قد ضبط توازن الكون لأجله، يمتلئ قلبه محبةً وتعظيماً. هذا التفكر هو عبادة بحد ذاتها، وقد كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 190]، ثم قال: “ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها”.
إن هذا الضبط يمنحنا شعوراً بالأمان؛ فنحن نعيش في كونٍ محفوظ برعاية إلهية، ليس عرضة للمصادفات المدمرة، بل هو (بنيان مرصوص) بقوانين الله. هذا اليقين يطرد القلق الوجودي الذي يعاني منه الفكر المادي، ويستبدله بطمأنينة الإيمان بـ (الحفيظ) و(الرقيب).
خامساً: الرد على اعتراضات الصدفة والكون المتعدد
يحاول البعض الهروب من استحقاقات الضبط الدقيق بافتراض وجود “أكوان متعددة”، مدعين أننا نعيش في الكون الذي صلح للحياة بمحض الصدفة من بين مليارات الأكوان الفاشلة. وهذا الهروب هو افتراض فلسفي لا دليل علمي عليه، بل هو إمعان في إنكار البديهة. فالدقة تتطلب مُقدِّراً، والتصميم يتطلب مصمماً. والقرآن الكريم يقطع الطريق على هذه التخرصات بقوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: 35]. إن وجود الضبط في كوننا حقيقة مرصودة، بينما الأكوان الأخرى غيبٌ متوهم، فالعقل السوي يتبع البرهان المشهود لا الخيال المجهود.
خاتمة: دعوة للخشوع والتعظيم
في الختام، إن معمار الضبط الدقيق ليس مجرد نظرية فيزيائية، بل هو قصيدة كونية تتغنى بوحدانية الله. إن كل ثابت فيزيائي هو “آية” صامتة تنطق بالحق، وكل توازن كوني هو رسالة حب وعناية من الخالق لخلقه. إننا مدعوون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، لدمج العلم بالإيمان، والنظر في الملكوت بعين العقل وقلب المؤمن، لنصل إلى الحقيقة الكبرى التي لخصها القرآن: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53].
فاللهم ارنا حقائق الأشياء، وزدنا بك تعظيماً، وفي آياتك تفكراً، وفي نعمك شكراً. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً