مقدمة: لقاء حاسم في ظل تعقيدات إقليمية ودولية
في خضم سعي محموم لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، وفي ظل تحديات إقليمية ودولية متزايدة، استضافت مدينة إسطنبول التركية اجتماعًا هامًا بين إيران والدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا، بريطانيا، وفرنسا)، المعروفة بالترويكا الأوروبية. هذا اللقاء، الذي جمع المديرين السياسيين بوزارة الخارجية الإيرانية وممثلي الدول الأوروبية، يثير تساؤلات حاسمة حول مستقبل المفاوضات النووية ودور أوروبا فيها.
أجندة الاجتماع: بين المشاورات والتنسيق
بحسب تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، يهدف الاجتماع إلى مواصلة المشاورات والتنسيق بين الأطراف المعنية. وتتصدر أجندة اللقاء مناقشة المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في ظل مناخ دولي بالغ التعقيد وتطورات سياسية متسارعة.
الترويكا الأوروبية: دور محوري ومخاوف متزايدة
تكتسب الترويكا الأوروبية أهمية خاصة بصفتها طرفًا رئيسيًا في الاتفاق النووي لعام 2015. لكن، هل تسعى أوروبا إلى لعب دور أكثر استقلالية في تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن؟ وهل يشير هذا التحرك إلى تغيير في حسابات الأطراف الأوروبية تجاه مستقبل الاتفاق؟
المنظور الإيراني: حذر وترقب
تتعامل إيران مع الترويكا الأوروبية كشريك تفاوضي مهم، لكنها تبدي حذرًا ملحوظًا تجاه مواقفها، بسبب ما تعتبره "انحيازًا نسبيًا" من الأوروبيين للسياسات الأميركية، خاصة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018. ومع ذلك، ترى طهران أن استمرار التنسيق مع أوروبا يحمل أهمية سياسية ودبلوماسية، خاصة في ظل التهديدات بتفعيل آلية الزناد.
التهميش الأوروبي: قلق ومحاولات لفرض الحضور
يرى محللون أن الدول الأوروبية الثلاث تجد نفسها على هامش المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، بعد أن كانت شريكًا رئيسيًا في مفاوضات اتفاق 2015. هذا التهميش يثير قلق الأوروبيين من احتمال التوصل إلى اتفاق ثنائي بين إيران والولايات المتحدة، لا يأخذ مصالحهم الاقتصادية والإستراتيجية في الاعتبار.
- السعي إلى دور مستقل: تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور مستقل في السياسة الدولية، وهي غير راضية عن استبعادها من الملفات الحساسة.
- آلية الزناد كورقة ضغط: يريد الأوروبيون استخدام هذه الآلية كورقة ضغط، ليس فقط على إيران بل أيضًا على واشنطن، لفرض حضورهم السياسي في صياغة أي اتفاق جديد.
- الهواجس الأوروبية: تتراوح الهواجس الأوروبية بين برنامج طهران الصاروخي، وملف المعتقلين الأوروبيين، والدور الإقليمي الإيراني، وصولًا إلى التعاون العسكري بين إيران وموسكو في حرب أوكرانيا.
الدبلوماسية الإيرانية: محاور متعددة
تنتهج طهران دبلوماسية متعددة الأبعاد بالتوازي مع مفاوضاتها المباشرة وغير المباشرة مع الولايات المتحدة، إذ كثفت مؤخرًا لقاءاتها مع الترويكا الأوروبية على مستوى نواب وزراء الخارجية.
ملامح الدبلوماسية النووية الإيرانية:
يمكن تلخيص ملامح الدبلوماسية النووية الإيرانية في 4 محاور رئيسية:
- خفض التوتر مع أوروبا: السعي لخفض التوتر مع أوروبا والتفاعل مع الأعضاء المتبقين في الاتفاق النووي.
- منع تفعيل آلية الزناد: منع تفعيل آلية الزناد من قبل الأوروبيين.
- التواصل مع الأطراف المختلفة: التواصل مع موسكو وبكين من جهة، ومع لندن وباريس وبرلين من جهة أخرى، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الاتفاق.
- ربط المسار النووي بالدبلوماسية الإقليمية: تعزيز التواصل مع دول الجوار الخليجي، بما في ذلك فتح قنوات للتنسيق والوساطة.
الخلاصة: مستقبل غامض ومسارات محتملة
يبقى مستقبل المفاوضات النووية الإيرانية غير واضح المعالم. فهل تنجح الترويكا الأوروبية في استعادة دورها المحوري في هذا الملف؟ وهل تتمكن إيران من تجنب تفعيل آلية الزناد؟ وهل نشهد اتفاقًا جديدًا وشاملًا يرضي جميع الأطراف؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستتضح في الأيام والأسابيع القادمة، لكن المؤكد أن لقاء إسطنبول يمثل محطة مفصلية في هذا المسار المعقد.


اترك تعليقاً