مقامرة إسرائيل في القرن الأفريقي: هل يمنحها الاعتراف بـ “أرض الصومال” نفوذاً أم يفتح عليها جبهة صراع جديدة؟

مقامرة إسرائيل في القرن الأفريقي: هل يمنحها الاعتراف بـ “أرض الصومال” نفوذاً أم يفتح عليها جبهة صراع جديدة؟

أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" (Somaliland) كدولة مستقلة، موجة واسعة من التساؤلات حول الأبعاد الإستراتيجية لهذه الخطوة وتوقيتها الحرج. فبينما تسعى تل أبيب لتعزيز حضورها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، يرى مراقبون أن هذه "المقامرة السياسية" قد تجلب من التحديات الأمنية والدبلوماسية أكثر مما توفره من مكاسب نفوذ.

الدوافع الإسرائيلية: البحث عن موطئ قدم في "باب المندب"

لا يمكن فصل التحرك الإسرائيلي الأخير عن الصراع المحتدم على الممرات الملاحية الدولية. وتتلخص الأهداف الإستراتيجية لتل أبيب في النقاط التالية:

  • تأمين الملاحة البحرية: السعي للتواجد بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يعد شريان الحياة للتجارة والطاقة المتجهة نحو إسرائيل.
  • المراقبة والاستخبارات: تحويل "أرض الصومال" إلى نقطة ارتكاز استخباراتية لمراقبة تحركات الخصوم الإقليميين في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
  • خلق تحالفات بديلة: استغلال الفراغات السياسية في المناطق المتنازع عليها لنسج شراكات أمنية واقتصادية خارج الأطر التقليدية التي تفرضها الدولة المركزية في الصومال.

معارضة إقليمية واسعة وتحدي السيادة

اصطدمت الطموحات الإسرائيلية بواقع سياسي معقد؛ حيث قوبلت الخطوة برفض قاطع من قوى إقليمية كبرى مثل مصر، تركيا، السعودية، وقطر. وتستند هذه المعارضة إلى عدة اعتبارات:

  1. وحدة الأراضي الصومالية: يُنظر إلى الاعتراف الأحادي بأنه انتهاك صارخ لسيادة الدول العربية والأفريقية.
  2. استقرار المنطقة: تخشى هذه الدول من أن يؤدي التدخل الإسرائيلي إلى زعزعة استقرار القرن الأفريقي الهش أصلاً.
  3. توازن القوى: يُنظر إلى الخطوة كمحاولة لكسر معادلات النفوذ القائمة لصالح محور جديد تقوده تل أبيب.

غياب "المظلة الأمريكية": التحرك في العراء

من أبرز المفاجآت في هذا الملف هو الموقف الأمريكي المتحفظ؛ فواشنطن، التي تدعم تقليدياً وحدة الصومال، لم تبدِ أي حماس للقرار الإسرائيلي.

ويرى الخبراء أن غياب التنسيق مع إدارة ترامب -التي تعتمد سياسة "المنفعة المباشرة"- حرم إسرائيل من الغطاء السياسي الدولي اللازم. هذا الانفراد جعل تل أبيب تبدو وكأنها تغرد خارج السرب الدولي، مما يحول الاعتراف من "ورقة قوة" إلى "عبء دبلوماسي" قد تضطر لدفع ثمنه في ملفات أخرى.

التهديدات الأمنية: هل تصبح "أرض الصومال" هدفاً للحوثيين؟

لم تتأخر التحذيرات الأمنية من الداخل الإسرائيلي ومن الجماعات المسلحة في المنطقة:

  • تهديدات الحوثيين: حذرت جماعة "أنصار الله" في اليمن من أن أي وجود عسكري أو استخباري إسرائيلي في الإقليم سيُعامل كـ "هدف عسكري مشروع".
  • بيئة مضطربة: يحذر محللون في صحيفة "هآرتس" من أن إسرائيل قد تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية تملك أدوات ضغط ونفوذ أعمق في تلك الجغرافيا.

رؤية التحليل السياسي: نفوذ شكلي أم عزلة إستراتيجية؟

يعتقد المحلل الإسرائيلي "تسفي بارئيل" أن حكومة نتنياهو دخلت في رهان عالي المخاطر؛ فبينما تحاول رسم خرائط نفوذ جديدة، فإنها قد تكرس عزلتها الدولية. وفي ذات السياق، يشير الخبير "شاي غال" إلى أن الدبلوماسية الدولية تعاقب من يكسر قواعد التوازن دون حلفاء أقوياء، مؤكداً أن "أرض الصومال" تقع حالياً في منطقة تجاذب بين النفوذ التركي المتصاعد والإيراني المتمثل في اليمن، مما يجعل الرهان الإسرائيلي عليها "هشاً وصعب الاستدامة".

الخلاصة

يبدو أن اعتراف إسرائيل بـ "أرض الصومال" هو محاولة لاستثمار "آخر شريط ساحلي" غير خاضع لقوة كبرى في المنطقة، لكن التكلفة الإستراتيجية، المتمثلة في توتر العلاقات مع الجيران الإقليميين وغياب الدعم الأمريكي، قد تجعل من هذا الحضور "شكلياً" ومحفوفاً بالمخاطر الأمنية التي لا تستطيع تل أبيب تحمل تبعاتها على المدى الطويل.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *