مقدمة: الغلو الديني وتحدي الاستقرار المجتمعي
يُعدُّ “الغلو الديني” أحد أخطر الآفات التي واجهت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل؛ كونه لا يضرب استقرار الدول فحسب، بل يشوه جوهر الرسالة المحمدية القائمة على الوسطية والرحمة. وفي سياق البحث عن حلول لهذه المعضلة، تبرز تجربة الخليفة الراشد الخامس، عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه-، كنموذج فريد في “السياسة الشرعية”؛ حيث لم يكتفِ بالحلول الأمنية، بل غاص في جذور المشكلة الفكرية والاجتماعية، مقدماً منهجاً متكاملاً يجمع بين الحجة الدامغة والعدل الشامل.
تأصيل مفهوم الغلو في النصوص الشرعية
قبل الولوج في تجربة عمر بن عبد العزيز، لا بد من فهم موقف الإسلام من الغلو. الغلو هو تجاوز الحد في الاعتقاد أو العبادة أو المعاملة، وقد حذر منه القرآن الكريم والسنة النبوية بعبارات صريحة. قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} (النساء: 171).
وفي السنة النبوية، كان التحذير أشد صرامة لبيان عواقب هذا المنهج، حيث قال النبي ﷺ: “إيَّاكُم والغلوَّ في الدِّينِ، فإنَّما أهلكَ مَن كانَ قبلَكُمُ الغلوُّ في الدِّينِ” (رواه النسائي وابن ماجه). ومن هنا انطلق عمر بن عبد العزيز في تعامله مع الخوارج، معتبراً أن الغلو انحراف فكري يتطلب معالجة شرعية دقيقة، وليس مجرد تمرد عسكري.
العدل الاجتماعي كمنطلق للمواجهة الفكرية
أدرك عمر بن عبد العزيز بعبقريته السياسية أن “الفكر المتطرف” غالباً ما يجد بيئة خصبة في ظل الظلم والجور. لذا، كانت أولى خطواته في مواجهة الغلو هي “رد المظالم”. لقد آمن عمر أن إقامة العدل هي أقوى حجة ضد من يدعون أن الدولة قد حادت عن منهج الحق.
- رفع المظالم: بدأ بنفسه وبأهل بيته، فرد الأموال والممتلكات التي أُخذت بغير حق إلى بيت مال المسلمين.
- عزل الولاة الظلمة: استبدل الولاة الذين عرفوا بالشدة والجور بولاة عُرفوا بالتقوى والرفق، مما قطع الطريق على الخوارج الذين كانوا يتذرعون بظلم الحكام لتكفيرهم والخروج عليهم.
- إرساء مبدأ المساواة: ألغى التمييز في العطاء والمكانة، مما أشعر الرعية بكرامتها تحت ظل الشريعة.
منهجية المحاورة والمناظرة: الحوار بدلاً من السيف
تميزت السياسة الشرعية عند عمر بن عبد العزيز بتقديم “الحوار” على “الصدام”. فبينما كان من سبقه يواجهون الخوارج بالجيوش فور ظهورهم، أرسل عمر إليهم يدعوهم للمناظرة. في رسالته الشهيرة لزعماء الخوارج (بسطام والمنذر)، قال: “بلغني أنكم خرجتم غضباً لله ولرسوله، ولست أولى بالحق منكم، فهلموا فتناظروا، فإن كان الحق معنا دخلتم فيما دخل فيه الناس، وإن كان الحق معكم نظرنا في أمركم”.
محاور المناظرة العمرية مع الخوارج
عندما أرسل الخوارج وفداً لمناظرته، لم يواجههم عمر بالاستعلاء السلطوي، بل بالمنطق الفقهي والسياسي:
- نقض فكرة التكفير بالذنب: ناقشهم في معتقدهم الأساسي وهو تكفير مرتكب الكبيرة، موضحاً بالدليل أن المسلم قد يخطئ ويظل مسلمًا، وأن باب التوبة مفتوح.
- الموقف من السلف والأئمة: عندما عابوا عليه من سبقه من بني أمية، كان رده حكيماً؛ إذ لم يدافع عن الباطل، بل قال إنه مسؤول عما في عهده، وأن الحكم على من مضى مرده إلى الله، مع الالتزام بتصحيح المسار الحالي.
- الحجة في “الإمامة”: أثبت لهم أن الإمامة ليست مجرد مسمى، بل هي قيام بالعدل، وبما أنه يقيم العدل فلا مسوغ لخروجهم.
السياسة الشرعية في التعامل مع السلاح
رغم إيمانه بالحوار، لم يكن عمر بن عبد العزيز غافلاً عن أمن الدولة. وضعت سياسته قواعد صارمة للتعامل مع الجماعات المسلحة:
1. كف الأذى: كان يقول لهم: “لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجدنا، ولا نمنعكم فيئنا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال”.
2. الردع عند التجاوز: عندما قام بعض الخوارج بسفك الدماء المحرمة، لم يتردد عمر في تسيير الجيوش لردعهم، مؤصلاً لمبدأ أن “الحرية الفكرية تنتهي عند تهديد حياة الآخرين”.
دروس مستفادة للواقع المعاصر
إن تجربة عمر بن عبد العزيز تقدم خارطة طريق لصناع القرار والعلماء في العصر الحديث لمواجهة موجات الغلو:
أولاً: التكامل بين الأمن والفكر
لا يمكن القضاء على التطرف بالرصاص وحده؛ فالفكرة تُهزم بالفكرة، والمظلمة تُرفع بالعدل. التنمية الاجتماعية والعدالة القضائية هما الركيزتان الأساسيتان لتحصين الشباب من الفكر المنحرف.
ثانياً: شجاعة المراجعة والاعتراف بالخطأ
كان عمر يمتلك الشجاعة ليقول “أخطأ من كان قبلي وسأصلح”، وهذا سحب البساط من تحت أقدام المتطرفين الذين يقتاتون على أخطاء السلطة لتبرير عنفهم.
ثالثاً: لغة الخطاب الهادئ
الخطاب الوسطي الذي يخاطب العقل ويفند الشبهات بتؤدة وعلم هو الأبقى أثراً. لقد استطاع عمر إقناع أعداد كبيرة من أتباع الخوارج بإلقاء السلاح والعودة لصفوف الأمة عبر الحوار الصادق.
خاتمة: نحو رؤية وطنية وإسلامية شاملة
في الختام، يتبين لنا أن منهجية عمر بن عبد العزيز في التعامل مع الغلو الديني لم تكن مجرد ردة فعل عابرة، بل كانت “سياسة شرعية” متكاملة الأركان، قامت على إحياء السنن وإماتة البدع ونشر العدل. إن استحضار هذه التجربة اليوم يعلمنا أن مواجهة التطرف تتطلب تضافر الجهود بين “عالم” يصحح المفاهيم، و”حاكم” يقيم موازين القسط، و”مجتمع” يرفض الغلو بكل أشكاله.
إن إرث الخليفة الزاهد يؤكد أن وسطية الإسلام هي الحصن الحصين، وأن العودة إلى روح الشريعة ومقاصدها في حفظ الدين والنفس والعقل هي السبيل الوحيد للنجاة في زمن الفتن.

اترك تعليقاً