منهج السلف في صيانة العقيدة: التوازن بين الإثبات والتنزيه

رؤية الإمام ابن الجوزي في حماية فطر العوام وحكمة الخطاب الشرعي

تناول الإمام ابن الجوزي في كتابه “صيد الخاطر” قضية منهجية عميقة تتعلق بكيفية التعامل مع الصفات الإلهية، محذراً من خوض العلماء والمتكلمين في تأويلات قد تعصف بيقين العوام، وفيما يلي إعادة صياغة لأبرز النقاط التي طرحها:

1. الحكمة من المنهج النبوي في “الإثبات”

أوضح الأنبياء عليهم السلام صفات الخالق بأسلوب يثبت وجوده وعظمته في النفوس، لأن الفطرة البشرية تأنس بذكر الصفات وتستدل بها على وجود الخالق.

  • استخدم الوحي ألفاظاً مثل (الاستواء، الوجه، اليدين، الغضب، الرضا، النزول) لتقريب المعنى إلى الأذهان.
  • الهدف من هذا الإثبات هو إيجاد صلة حقيقية بين العبد وربه، وتعظيم ذات الله في القلوب.
  • 2. خطورة النفي والتأويل على “العوام”

    يرى ابن الجوزي أن إغراق العامي (غير المتخصص) في نفي الصفات أو تأويلها بشكل معقد يسبب أضراراً جسيمة:

  • زعزعة اليقين: البدء بنفي الصفات (ليس في السماء، ليس له يد، لا ينزل) قد يؤدي بالعامي إلى فقدان الشعور بوجود الله تماماً، لأنه لا يتصور إلهاً بلا صفات.
  • إبطال مقصود الشرع: الأنبياء تعبوا في ترسيخ عظمة الله بذكر صفاته، والمؤول الذي ينفيها بشدة كأنه يهدم ما بناه الأنبياء في نفوس الناس.
  • ذهاب الهيبة: التأويلات الفلسفية (مثل القول بأن القرآن صفة قائمة بالذات وليس بين أيدينا منه شيء) تضعف من هيبة المصحف وتعظيمه في قلب الإنسان البسيط.
  • 3. ضابط التنزيه: “ليس كمثله شيء”

    المنهج القويم هو الذي يجمع بين إثبات ما أثبته الله لنفسه وبين تنزيهه عن مشابهة المخلوقين:

  • يُترك العامي يمتلئ قلبه بصفات العظمة الإلهية، ثم يُحصّن بقاعدة: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”.
  • بهذا يُمحى من خياله أي تشبيه أو تجسيد، مع بقاء أصل “الإثبات” راسخاً في قلبه.
  • 4. الفرق بين العالم والعامي في الفهم

    العالم يدرك استحالة تجدد الصفات أو حدوثها على الله، وهو يفهم المعاني المجازية أو المقاصد العميقة دون أن يتزلزل إيمانه، أما العامي فيجب أن يُخاطب بما يحفظ دينه:

  • فهم العالم: يدرك أن “تقليب القلوب بين إصبعين” هو كناية عن تمام التحكم والقدرة، ولا يحتاج لتعقيد التأويل إذا استقر في قلبه التنزيه المطلق.
  • إرشاد العامي: المنهج الأسلم هو “إمرار الصفات كما جاءت” دون الخوض في الكيفية أو الغوص في التأويل الذي يشوش العقيدة.
  • 5. التحذير من الخوض في الغيبيات (القدر والذات)

    نهى الشرع عن التعمق في قضايا معينة لأن العقل البشري قاصر عن إدراك كنهها:

  • القدر: البحث فيه قد يزلزل الإيمان بالعدل أو القدرة، لذا فإن التسليم فيه أولى.
  • إدراك الحقائق: نحن مأمورون بالإيمان بالمجمل، وليس من شأننا البحث في “كيفية” الصفات؛ فحتى الأنبياء (كالخليل إبراهيم) أُريوا النتائج (إحياء الموتى) ولم يُطلعوا على الكيفية لعجز القوى البشرية عن ذلك.
  • 6. الخاتمة: الجادة الوسطى

    إن السلامة تكمن في اتباع نهج السلف والصحابة الذين:

  • أقروا بالصفات كما وردت لتعظيم الله في النفوس.
  • كفوا الخيال عن التشبيه بقاعدة التنزيه.
  • اكتفوا بالإيمان المجمل الذي يسأل عنه الملكان في القبر (من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟).

هذا المنهج هو الذي يحمي المسلم من السقوط في فخ “التشبيه” (تجسيد الخالق) أو فخ “التعطيل” (نفي صفاته).

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *