# من التفاهة إلى الهداية: تأملات في دوافع العمل للإسلام وإصلاح النفوس
إن الناظر في واقع أمتنا اليوم، والمتأمل في أحوال شبابنا، يجد غصة في الحلق وألماً في الفؤاد. ليس هذا الألم من باب التشاؤم، بل هو نابع من غيرة المصلح الذي يحترق قلبه وهو يرى طاقات الأمة تُهدر، وأعمارها تضيع في سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. إن أقوى ما يدفع المصلح الصادق للعمل والبذل والتضحية في سبيل الله، هو ذلك المشهد المؤلم لابتعاد الكثيرين عن حياض الدين، وجهلهم بحقيقة الرسالة التي ائتمنهم الله عليها، وصرفهم لأغلى ما يملكون من دموع وأموال وأوقات فيما لا ينفعهم في دنيا ولا ينجيهم في آخرة.
التناقض المؤلم: دموع لغير الله وضياع للأولويات
من أعجب المشاهد التي تفتت كبد الغيور، أن يرى رجلاً تفيض عيناه من الدمع -والدموع عند الرجال غالية وثقيلة- ليس خشية من الله، ولا شوقاً للقائه، ولا أسفاً على ذنب، بل حزناً على خسارة نادٍ رياضي يفضله! أي انتكاسة في المفاهيم هذه؟ أن تُبذل المشاعر الصادقة والدموع الحارة لأجل جلدة منفوخة لا تقدم ولا تؤخر في ميزان القيم.
ولا يتوقف الأمر عند الدموع، بل يمتد إلى استنزاف الأوقات والأموال؛ فتجد الشاب يسافر المسافات الطويلة، وينفق الأموال الطائلة، ويتحمل مشاق السفر والزحام، من أجل حضور مباراة أو فعالية ترفيهية كان بإمكانه أن يشاهدها من بيته دون عناء. هذا الاندفاع العاطفي والمادي نحو “التفاهة” يكشف عن فراغ روحي هائل، وعن غياب البوصلة التي توجه هذه الطاقات نحو معالي الأمور.
جذور المشكلة: غياب الدعوة الخاصة والقدوة الغائبة
إننا حين نحلل سبب هذا الابتعاد الظاهر عن الدين، نجد أن اللوم لا يقع بالكلية على هؤلاء الشباب، بل إن جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق المصلحين والمربين. إن عامة هؤلاء الشباب الذين نراهم غارقين في بحار الغفلة، لم يسبق أن دعاهم أحد بصدق إلى بيوت الله، ولم يسبق أن تلطف معهم ناصح ليأخذ بأيديهم إلى مجالس الذكر ودروس العلم.
إنهم ضحايا إهمال دعوي؛ لم يجدوا من يذكرهم تذكيراً خاصاً، يلامس شغاف قلوبهم، ويناقشهم في أصل وجودهم على هذه الأرض: لماذا خلقنا؟ وإلى أين المصير؟ لقد فتح هؤلاء الشباب أعينهم على واقع مادي بحت، واقع يعظم الدنيا، ويرفع من شأن ما يتعلق بها من مظاهر خادعة، واقع لا يكاد يسمع فيه حديث عن الإيمان، ولا تعظيم لله جل في علاه، ولا ذكر لرسله الكرام، ولا سيرة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شادوا صرح هذا الدين بدمائهم وأرواحهم.
استبدال القدوات: من الأنبياء إلى المشاهير
لقد حدثت عملية “إحلال وتديل” خطيرة في قلوب الأجيال؛ فبدلاً من أن تمتلئ القلوب بمحبة الأنبياء والاقتداء بسيرهم، وبدلاً من أن يكون الصحابة الكرام هم النجوم التي يهتدي بها الشباب، مُلئت القلوب بمشاهير الفن والرياضة و”المؤثرين” الذين لا يحمل أغلبهم هماً ولا رسالة. أصبح الشاب يعرف أدق تفاصيل حياة لاعبه المفضل، لكنه يجهل أبسط أحكام صلاته أو سيرة نبيه.
هذا الامتلاء بالدنيا ومشاهيرها خلق حاجزاً سميكاً بين الشاب وبين حقائق الإيمان. وهنا يأتي دور المصلح الذي يدرك أن واجبه هو هدم هذه الأصنام المعنوية، وإعادة بناء التعظيم لله ولرسله في النفوس، ليس عبر الخطابات الرنانة فحسب، بل عبر القرب الحقيقي من هؤلاء الشباب وفهم لغتهم واحتياجاتهم.
فقه التذكير: بين الحجة العامة والأثر الخاص
مما يجب أن يدركه كل من تصدى للدعوة إلى الله، أن هناك فرقاً شاسعاً بين “إقامة الحجة العامة” وبين “التذكير الخاص”. نعم، الخطب العامة والمواعظ الجماعية تقيم الحجة على الناس وتذكرهم بالدين، وهذا أمر ضروري ولا غنى عنه. ولكن، إذا أردنا التغيير الحقيقي والعميق، فإن أثر التذكير والنصح الخاص أقوى بكثير.
إن الكلمة التي تقال في أذن الشاب بصدق ومحبة، واللمسة الحانية التي تشعره بالاهتمام الشخصي، والجلوس معه في جلسة خاصة لسماع همومه وتصحيح مساره، تفعل في النفس ما لا تفعله عشرات الخطب المنبرية. إن النفس البشرية جبلت على حب من يحسن إليها ويهتم بها لشخصها، والمصلح الذكي هو من يستثمر هذا الجانب ليفتح مغاليق القلوب.
إثبات الحب بالعمل: الدافع الأسمى للمصلح
إن القصد والغاية من رصد هذه المظاهر من “التفاهة” التي يعيشها أبناء أمتنا، ليس هو اليأس أو احتقار الخلق، بل هو إيجاد أقوى الدوافع للعمل والدعوة. إن المحب لله ورسوله ولدين الإسلام لا يمكن أن يقف متفرجاً وأمته تضيع أمام عينيه.
إن العمل للدين في هذا الزمان هو “إثبات للحب”؛ فمن ادعى حب الله ورسوله، فليثبت ذلك بنصح خلقه، وبالسعي في إنقاذهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. إن الغيرة على حرمات الله، والشفقة على عباد الله، هما المحركان الأساسيان لكل مصلح يريد أن يترك أثراً قبل رحيله.
خطوات عملية نحو الإصلاح المنشود
لكي يتحول هذا الشعور بالغيرة إلى واقع عملي، يجب على المصلحين اتباع منهجية واضحة:
1. النزول إلى الميدان: لا يكفي الوعظ من خلف الشاشات أو فوق المنابر، بل يجب التواجد حيث يتواجد الشباب، ومخالطتهم بالمعروف.
2. إحياء سنة النصح الخاص: تخصيص أوقات للأفراد، والحديث معهم بشكل شخصي بعيداً عن الأضواء، وبناء علاقات ثقة متينة.
3. تبسيط الخطاب الديني: عرض حقائق الإيمان وعظمة الله ورسله بأسلوب عصري جذاب ينافس الخطاب المادي السائد، دون تفريط في الثوابت.
4. تقديم البديل القيمي: لا نكتفي بالنهي عن التفاهة، بل يجب أن نفتح للشباب آفاقاً للعمل المثمر، ونشعرهم بقيمتهم في بناء الأمة.
5. الصبر والمصابرة: إن طريق الإصلاح طويل وشاق، ويحتاج إلى نفس طويل وصبر على جفاء الناس وإعراضهم، مستحضرين قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم”.
خاتمة: مسؤولية الجميع
إن إنقاذ الأمة من موجات التفاهة ليس مسؤولية فردية، بل هو واجب يشترك فيه الجميع. إن رؤية الشباب وهم يحترقون في أتون الغفلة يجب أن تكون الدافع الأكبر لنا لنقوم بواجب البلاغ. إننا لا نريد مجرد شعارات، بل نريد عملاً دؤوباً، ونصحاً صادقاً، وحباً يترجم إلى خطوات عملية تأخذ بيد التائهين إلى طريق النجاة.
ليكن شعارنا دائماً: “نصحاً للخلق، وإثباتاً للحب، وقياماً بالواجب”. فما زال في الأمة خير كثير، وما زال هؤلاء الشباب يحملون في طيات نفوسهم بذرة الإيمان، وهي فقط تنتظر الساقي الذي يرويها بصدق الكلمة وحسن التوجيه.

اترك تعليقاً