من الفكرة إلى الواقع: كيف نحتت “الهيئة” مسارها في سوريا؟

من الفكرة إلى الواقع: كيف نحتت “الهيئة” مسارها في سوريا؟

في قلب الصراع السوري، تتشابك القصص والروايات، وتتداخل الحقائق والأوهام. هذا المقال، المستند إلى مقابلات حصرية وتحليلات معمقة، يغوص في تجربة "هيئة تحرير الشام" (المشار إليها هنا بـ "الهيئة")، متتبعًا رحلتها من بداياتها المتواضعة إلى موقعها الحالي كقوة مؤثرة في الشمال السوري.

بين الأسطورة والواقع: قاسيون شاهدًا

يبدأ المقال بصورة رمزية لجبل قاسيون، الشاهد الصامت على تاريخ دمشق. هذا الجبل، الذي تحتضن مغارته أسطورة جريمة قابيل، يمثل ثقل التاريخ السوري وتعقيداته. تمامًا كصعود قاسيون الذي يتطلب "كلمة سر" للعبور، فإن فهم "الهيئة" يتطلب تجاوز السطح والولوج إلى أعماقها.

من "جبهة النصرة" إلى "هيئة تحرير الشام": رحلة التحولات

يستعرض المقال قصة "أبو دجانة" (اسم مستعار لشخصية قيادية في "الهيئة")، الذي يروي تفاصيل رحلة التنظيم من "جبهة النصرة" إلى "هيئة تحرير الشام". هذه الرحلة لم تكن سلسلة من الانتصارات، بل سلسلة من المفترقات الصعبة، والقرارات المصيرية، والتنازلات المؤلمة.

المفترق الأول: الانشقاق عن "الدولة الإسلامية"

في عام 2013، واجهت "جبهة النصرة" أول اختبار حقيقي عندما أعلن أبو بكر البغدادي قيام "الدولة الإسلامية" وحل "الجبهة". اختار الجولاني الانحياز إلى تنظيم القاعدة، لكن هذا القرار أدى إلى انشقاق العديد من الكوادر الذين فضلوا جاذبية "الدولة".

المفترق الثاني: فك الارتباط عن "القاعدة"

في عام 2016، ومع تراجع نفوذ تنظيم القاعدة، أعلن الجولاني فك الارتباط عن التنظيم وتأسيس "جبهة فتح الشام". كان هذا القرار ضروريًا لجذب فصائل أخرى، لكنه أدى أيضًا إلى انشقاق المزيد من الكوادر الذين ظلوا موالين للقاعدة.

المفترق الثالث: تأسيس "هيئة تحرير الشام" والسيطرة على إدلب

بعد عام واحد، تم تأسيس "هيئة تحرير الشام" بهدف دمج أكبر عدد ممكن من الفصائل. لكن هذا الهدف لم يتحقق إلا من خلال صراعات دموية مع فصائل أخرى، بما في ذلك "أحرار الشام" التي ساعدت "الجبهة" في مواجهة "الدولة الإسلامية".

"المشروع": من العقيدة إلى السلطة

تتردد كلمة "المشروع" كثيرًا على ألسنة قيادات "الهيئة". في البداية، كان "المشروع" يعني تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة إمارة إسلامية. لكن مع مرور الوقت، بدأ "المشروع" يأخذ شكلًا أكثر واقعية، يتمحور حول السيطرة على الأرض وإدارة المناطق المحررة.

من اللامركزية إلى المركزية: هيكلة الحكم

في البداية، اعتمدت "الهيئة" على نظام لامركزي، يمنح صلاحيات واسعة للإدارة المحلية. لكن في عام 2018، تم تفكيك هذا النظام وتأسيس إدارة مركزية موحدة، تهدف إلى بناء حكم مركزي قوي.

التخلص من المظاهر المتشددة: استجلاب الشرعية الخارجية

حرصت "الهيئة" على التخلص تدريجيًا من أي مظاهر قد تفزع المانح الدولي أو المراقب العالمي. تم إغلاق المؤسسات التي كانت تسعى لبث سمت إسلامي عام، وتم تجميد القوانين التي كانت تهدف إلى تنظيم الحياة الاجتماعية وفقًا للشريعة الإسلامية.

التحديات والمآزق: "فتنة خلية العملاء"

لم تخل رحلة "الهيئة" من التحديات والمآزق. "فتنة خلية العملاء"، التي شهدت اعتقال أكثر من 170 شخصًا بتهمة العمالة، كانت واحدة من أصعب المحن التي مرت بها "الهيئة".

بناء القوة العسكرية: "ردع العدوان"

عملت "الهيئة" على بناء قوة عسكرية قادرة على مواجهة النظام السوري. تم توحيد القوات العسكرية، وإطلاق برامج تدريب جديدة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة مع فصائل أخرى. كما تم تطوير مشروع مسيّرات "شاهين"، الذي شكل رعبًا حقيقيًا لقوات النظام.

خاتمة: بين الشك واليقين

يختتم المقال بلقاء بين الكاتب و"أبو دجانة"، الذي يعبر عن قلقه من نظرة العالم الخارجي إلى "الهيئة". هل تغيرت "الهيئة" حقًا؟ هل ما زالت "وحشًا"؟ هل أصبحت قوة يمكن الوثوق بها؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، وتدعونا إلى التفكير النقدي في طبيعة الصراع السوري وتعقيداته.

هذا المقال ليس مجرد سرد لتاريخ "الهيئة"، بل هو محاولة لفهم التحولات التي مرت بها، والتحديات التي واجهتها، والأهداف التي تسعى لتحقيقها. إنه دعوة إلى تجاوز الأحكام المسبقة والنظر إلى الأمور من منظور أكثر تعقيدًا وشمولية.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *