عيد الأم: رحلة عبر الزمن من فكرة السلام إلى واقع الاحتياجات
بدأ كل شيء كحلم بسيط لنشر السلام والوفاء، ليتحول مع مرور العقود إلى تظاهرة عالمية تعكس تغيرات المجتمع والاقتصاد. بين فكرة ولدت في الغرب ونضجت في الشرق، يظل عيد الأم مناسبة تثير الكثير من الشجن والتساؤلات حول طبيعة التقدير الذي تحتاجه المرأة.
جذور الحكاية: من آنا جارفيس إلى مصطفى أمين
انطلقت الشرارة الأولى في عام 1908 على يد الأمريكية آنا جارفيس، التي أرادت تكريم ذكرى والدتها وتحقيق حلمها في جعل تقدير الأمهات وسيلة لنشر السلام الأسري. لم يمر وقت طويل حتى انتقلت هذه العدوى الجميلة إلى منطقتنا العربية، حيث تبنى الكاتب المصري مصطفى أمين الفكرة عبر عموده الشهير "فكرة"، مقترحاً يوم 21 مارس/آذار موعداً سنوياً للاحتفاء بـ "ست الحبايب".
نوستالجيا الثمانينيات: زمن الهدايا البسيطة
لا تزال ذاكرة جيل الثمانينيات تحتفظ بصور دافئة لهذا اليوم، حيث كانت الهدايا تحمل طابعاً رمزياً خالصاً:
- البطاقات الملونة: كلمات بسيطة بخط اليد تعبر عن امتنان لا حدود له.
- مجموعة الأم: تلك العلبة الزرقاء التي كانت تضم منديل قماش مطرزاً وزجاجة عطر "كولونيا" شهيرة.
- الرموز العاطفية: قطع الساتان والورود التي كانت تكفي لرسم ابتسامة صادقة على وجه الأم.
التحول الكبير: من الرموز إلى الأدوات العملية
مع تسارع إيقاع الحياة وازدياد المسؤوليات، تبدلت ملامح الهدايا. حلت "أطقم الأكواب" وصواني التقديم محل العطور، وبدأت الأمهات يميلن إلى الهدايا التي تخفف عنهن أعباء المنزل. لم يعد الهدف مجرد التذكر، بل تقديم أداة تعين الأم على تعبها اليومي.
قائمة أمنيات الأمهات اليوم: أحلام بين الرفاهية والراحة
في استطلاع لآراء النساء حول ما يتمنينه حقاً في عيد الأم، تنوعت الإجابات بشكل مثير:
- الراحة والوقت المستقطع: تصدرت "غسالة الأطباق" قائمة الأمنيات كحلم يمثل الخلاص من عناء يومي مستمر.
- العناية بالذات: برزت الرغبة في الحصول على يوم في صالون تجميل أو منتجات عناية بالبشرة لاستعادة جزء من الأنوثة المفقودة وسط المسؤوليات.
- السفر والهروب الجميل: تباينت الوجهات بين رحلات محلية إلى سيوة والفيوم، أو أحلام كبرى بالسفر إلى المالديف أو أداء مناسك العمرة والحج.
- الأمنيات البسيطة: بقيت "الوردة" و"القطة" و"الاعتراف بالجميل" مطالب لفئة من الأمهات اللواتي يبحثن عن القيمة المعنوية.
التضخم وتأثيره على شكل الاحتفال
لم يسلم عيد الأم من موجات الغلاء العالمي. فبعد أن كان الذهب هو الهدية المثالية، أدى ارتفاع أسعاره إلى تراجع هذا الخيار ليصبح "ترفاً" بعيد المنال. دفع هذا الواقع الأبناء -وحتى الأمهات عند شراء هدايا المعلمات- إلى ابتكار حلول اقتصادية مثل:
- الهدايا الجماعية: اشتراك عدة أفراد في شراء هدية واحدة قيمة.
- تحديد الميزانية: استبدال الهدايا الفردية بمبالغ رمزية للمشاركة في تكلفة هدية كبرى.
عبء الاحتفال: حين يصبح اليوم واجباً ثقيلاً
تشعر بعض الأمهات اليوم بأن العيد فقد خصخصته، حيث امتد ليشمل الجدات والحموات والمعلمات، مما حوله من يوم لتلقي التقدير إلى يوم مثقل بالتزامات مادية واجتماعية جديدة تضاف إلى كاهل المرأة، لدرجة أن بعضهن يقمن بشراء الهدايا لأنفسهن لضمان الشعور بالفرحة.
خاتمة:
يبقى عيد الأم، رغم تغير أشكال الهدايا من وردة إلى غسالة أطباق، مناسبة جوهرها واحد: الاحتياج إلى كلمة "شكراً" صادقة، والتفاتة صغيرة تقدر حجم التضحيات التي تقدمها النساء كل يوم.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً