مقدمة: حين يبحث القلب عن خالقه
في دروب الحياة المتشعبة، وفي زوايا النفس البشرية التائقة إلى السكينة، تبرز قصص الهداية كمنارات تضيء عتمة الحيرة. إنها ليست مجرد حكايات تُروى، بل هي مخاض روح وُلدت من جديد، ونفس عرفت طريقها إلى بارئها بعد طول مسير. هذه قصتي، قصة فتاة نشأت في بيئة بعيدة كل البعد عن مفاهيم الشرق ولغة العرب، لكنها كانت قريبة جداً من فطرة الله التي فطر الناس عليها.
الجذور: في عمق الجنوب الأمريكي
وُلدتُ ونشأتُ في ولاية أركنساس الأمريكية، تلك الولاية التي تُعرف بطبيعتها الخلابة وجذورها الضاربة في تقاليد الجنوب. لم أكن مجرد عابرة سبيل في تلك الأرض، بل إن جذوري ممتدة في تربتها عبر أجيال. وُلد والداي في أركنساس، وكذلك أجدادي، وكلما حاولت تتبع شجرة عائلتي، وجدت أغصانها ملتفة حول الولايات الجنوبية للولايات المتحدة.
نشأتُ في كنف أسرة مسيحية محافظة، حيث كانت الكنيسة هي المركز الاجتماعي والروحي للحياة. في تلك البيئة، يُعد الدين جزءاً لا يتجزأ من الهوية الشخصية، والتمسك بالتقاليد الموروثة هو معيار القبول الاجتماعي. كانت حياتي هادئة، تسير وفق نمط مرسوم سلفاً، لكن في أعماق قلبي، كان هناك تساؤل ينمو بصمت، تساؤل لا يجرؤ لسان حالي على النطق به في تلك الأوساط.
نشأة إيمانية وتساؤلات صامتة
في “حزام الإنجيل” (Bible Belt)، حيث تقع أركنساس، يُلقن الأطفال الإيمان منذ نعومة أظفارهم. كنت أذهب إلى الكنيسة بانتظام، وأشارك في الأنشطة الدينية، وكنت أحب الله بصدق طفولي بريء. ومع ذلك، مع تقدمي في السن، بدأت ألحظ فجوات في المفاهيم التي تُعرض عليّ. كانت هناك أسئلة حول طبيعة الخالق، وعلاقة الإنسان به، والوسائط التي تُوضع بين العبد وربه.
لم يكن المجتمع من حولي يسمح بالكثير من الجدل؛ فالدين هناك يُؤخذ بالتسليم الموروث. كنت أشعر أن هناك حلقة مفقودة، وأن العلاقة مع الله يجب أن تكون أكثر وضوحاً، أكثر مباشرة، وأكثر شمولاً لكل جوانب الحياة، لا أن تقتصر على طقوس يوم الأحد فقط.
نقطة التحول: البحث عن الحقيقة
بدأت رحلتي الحقيقية عندما قررت أن أخرج من دائرة المسلمات. لم يكن الإسلام في مخيلتي سوى صورة مشوهة نقلتها وسائل الإعلام؛ دين غريب، بعيد، ومحاط بالغموض. ولكن، حين بدأت أقرأ بإنصاف، بدأت الغشاوة تنجلي عن عيني.
لقد أدركت أن الفطرة التي فطرنا الله عليها هي البوصلة الحقيقية. كنت أبحث عن دين يخاطب العقل والروح معاً، دين لا يطلب مني إلغاء تفكيري لكي أؤمن، بل يحثني على التدبر والتفكر في ملكوت السماوات والأرض.
اكتشاف الإسلام: النور الذي لا ينطفئ
حين بدأتُ أتعرف على الإسلام، لم يكن الأمر مجرد اعتناق لمجموعة من الطقوس، بل كان اكتشافاً لجوهر الوجود. وجدت في التوحيد الخالص الذي ينادي به الإسلام ضالتي المنشودة. أن يكون الله واحداً، أحداً، صمداً، لا شريك له، ولا وسيط بينه وبين خلقه؛ كان هذا المفهوم هو البلسم الذي داوى حيرة قلبي.
ما الذي جذبني في الإسلام؟
1. التوحيد الخالص: الوضوح التام في تعريف الخالق وعظمته.
2. الشمولية: الإسلام ليس مجرد عبادات، بل هو نظام حياة متكامل ينظم علاقة الإنسان بنفسه، وبمجتمعه، وبالكون من حوله.
3. المساواة: تلك الروح التي تجعل الجميع أمام الله سواسية، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى.
4. السكينة في الصلاة: حين وقفت لأول مرة أحاول الصلاة، شعرت باتصال لم أعهده من قبل، صلة مباشرة بلا حواجز.
لحظة اليقين: نطق الشهادة
لا يمكن للكلمات أن تصف تلك اللحظة التي قررت فيها أن أعلن إسلامي. كان قراراً شجاعاً، خاصة لشخصية تنحدر من عمق الجنوب الأمريكي، حيث قد يُنظر إلى هذا التحول كخروج عن العائلة والتقاليد. لكن، حين يسطع نور اليقين في القلب، تتصاغر أمامه كل التحديات.
نطقت بالشهادتين: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”. في تلك اللحظة، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً قد سقط عن كاهلي. شعرت بأنني عُدت إلى بيتي الحقيقي، إلى الفطرة التي وُلدت بها في أركنساس، ولكنها تفتحت أخيراً في رحاب الإسلام.
التحديات والمنح في طريق الهداية
لم تكن الطريق مفروشة بالورود. واجهتُ استغراباً من العائلة، وتساؤلات قلقة من الأصدقاء. كان عليهم أن يفهموا أن إسلامي ليس رفضاً لهم أو لجذوري في أركنساس، بل هو ارتقاء بروحي إلى آفاق أرحب.
لقد تعلمت أن الصبر والتحلي بأخلاق الإسلام هو خير وسيلة للدعوة. بدأت عائلتي تلاحظ التغيير الإيجابي في سلوكي، في هدوئي، وفي تعاملي معهم. أدركوا أن الإسلام لم يأخذني منهم، بل جعلني ابنة أكثر براً واحتراماً.
رسالة إلى كل باحث عن الحق
من خلال تجربتي، أقول لكل من يشعر بضيق في صدره، أو حيرة في أمره: لا تخشَ من البحث. إن الله الذي خلق هذا الكون بإعجاز وتدبير، لم يتركنا هملاً، بل جعل لنا نوراً نهتدي به.
إن الإسلام ليس ديناً للعرب وحدهم، بل هو رسالة الله للعالمين. ومهما كانت جذورك ممتدة في ولايات الجنوب، أو في أقاصي الشمال، أو في أي بقعة من بقاع الأرض، فإن قلبك صُنع ليعرف الله ويعبده.
الخاتمة: السكينة التي وجدتها
اليوم، وأنا أنظر إلى حياتي، أشعر بامتنان عظيم لله عز وجل الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله. لم تعد ولاية أركنساس بالنسبة لي مجرد مسقط رأس، بل أصبحت المكان الذي بدأت فيه رحلة روحي نحو الخلود.
لقد وجدت في الإسلام الإجابات التي عجزت عنها الفلسفات، والسكينة التي لم توفرها الماديات. إنها قصة روح عرفت بارئها، فاستقرت واطمأنت. وأسأل الله أن يثبتني على هذا الحق، وأن يجعل قصتي سبباً في إنارة الطريق لغيري ممن يبحثون عن شاطئ الأمان في بحر الحياة المتلاطم.
إن رحلتي من الكنيسة في الجنوب الأمريكي إلى رحاب المسجد لم تكن انتقالا جغرافيا، بل كانت رحلة من الظلمة إلى النور، ومن الحيرة إلى اليقين، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً