من يحكم إيران اليوم؟ قراءة في هيكلية السلطة الجديدة بعد التغييرات الكبرى
لم يعد المشهد السياسي في طهران كما كان؛ فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن ليس مجرد "من هو المرشد؟"، بل الأهم هو: من يحكم إيران اليوم وكيف تُدار الدولة بعد الضربات القاسية التي استهدفت قمة الهرم السلطوي؟
بعد الأحداث المتسارعة التي شهدتها البلاد، بدأت ملامح نظام حكم معقد تتشكل، متجاوزة صورة "الرجل الواحد" لتستقر في صيغة توزيع عملي للأدوار بين عدة أقطاب.
مثلث السلطة: توزيع الأدوار في طهران
تُدار الدولة الإيرانية حالياً عبر معادلة ثلاثية الأبعاد تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع الانهيار:
- المرشد الجديد (مجتبى خامنئي): يمثل رمزية الشرعية والاستمرارية الدستورية.
- الحرس الثوري: يمسك بزمام القوة الصلبة، والأمن، وإدارة العمليات العسكرية.
- الواجهة السياسية (محمد باقر قاليباف): يبرز كقائد للمشهد السياسي وصانع للرسائل الاستراتيجية.
مجتبى خامنئي.. تثبيت الاستمرارية لا التغيير
رغم حسم ملف الخلافة رسمياً في 9 مارس/آذار باختيار مجتبى خامنئي مرشداً، إلا أن سياسته الأولى لم تكن صدامية أو تغييرية بشكل جذري. بل ركزت على:
- تجديد الثقة بالمسؤولين المعينين من قبل والده.
- التركيز على خطاب "اقتصاد المقاومة" والوحدة الوطنية.
- الحفاظ على المركزية الدستورية في ملفات القوات المسلحة والسياسات العامة.
صعود قاليباف: من رئيس برلمان إلى مهندس مواجهة
يعد محمد باقر قاليباف اليوم الرقم الأصعب في المعادلة السياسية. لم يعد دوره محصوراً في إدارة الجلسات البرلمانية، بل تحول إلى "رجل الدولة القوي" الذي يصيغ خطاب الحرب.
لماذا قاليباف تحديداً؟
يمتلك قاليباف مزيجاً نادراً من الخبرات التي جعلته مؤهلاً لهذا الدور:
- الخلفية العسكرية: كقائد سابق في الحرس الثوري وسلاح الجو.
- الخبرة الأمنية: من خلال رئاسته السابقة لجهاز الشرطة.
- الإدارة المدنية: عبر سنواته الطويلة كعمدة لبلدية طهران.
- القدرة السياسية: كونه همزة الوصل الأكثر جاهزية للربط بين المؤسسة العسكرية ومؤسسات الحكم المدنية.
دور الحكومة: إدارة الأزمات والدبلوماسية
بينما ينشغل الحرس وقاليباف بملفات الردع والحرب، تضطلع حكومة مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي بمهام حيوية ولكن في مرتبة ثانية:
- تسيير الإدارة اليومية للدولة ومنع اهتزاز البيروقراطية.
- التحرك الدبلوماسي الإقليمي والدولي لمحاولة خفض كلفة المواجهة.
- إدارة الملفات الاقتصادية والمعيشية.
الخلاصة: نظام أكثر لامركزية
إن الإجابة على سؤال من يحكم إيران اليوم تكمن في فهم التحول نحو "اللامركزية التشغيلية". فرغم بقاء القبضة الأمنية متماسكة، إلا أن غياب الشخصيات المحورية مثل لاريجاني أدى إلى اتساع مساحة الوجوه القادرة على الحديث بلغة الردع.
إيران اليوم تُدار بعقل جمعي يوازن بين "الديني" و"العسكري" و"السياسي"، مع ميل واضح وكبير لمصلحة المؤسسة الأمنية والعسكرية في ظل حالة الحرب الراهنة.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً