مقدمة: الاستخلاف في ظلال الرحيل
يرتبط مفهوم «نهاية العالم» في الوعي الإنساني العام بمشاعر الهلع، والعدمية، والقعود عن العمل؛ غير أن المنظور الإسلامي لأشراط الساعة يقدم صياغة مغايرة تماماً. إنها صياغة تقوم على «مِعمار الأمل»، حيث لا تُعد علامات الساعة مجرد نذرٍ للفناء، بل هي محطات تنبيه ربانية تستنهض في المؤمن روح المسؤولية، وتدفعه نحو تجويد عملية الاستخلاف والبناء الحضاري. إن المسلم لا يقرأ التاريخ بوصفه انحداراً حتمياً نحو الهاوية، بل بوصفه فرصة مستمرة لإثبات العبودية لله عبر عمارة الأرض، حتى لو بقيت من عمر الدنيا لحظة واحدة.
أولاً: فلسفة «الفسيلة».. الإنتاج حتى الرمق الأخير
يتجلى البُعد المقاصدي الأعمق في التعامل مع أشراط الساعة في ذلك التوجيه النبوي المعجز الذي يقطع الطريق على أي تبرير للكسل أو اليأس. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد). هذا الحديث يمثل حجر الزاوية في فلسفة البناء الإسلامي؛ فالمطلوب ليس انتظار النهاية، بل ممارسة «فعل الغرس» كقيمة تعبدية في ذاتها، بغض النظر عن جني الثمار.
إن إصرار الوحي على غرس الشجرة في لحظة انهيار الكون (قيام الساعة) يعلمنا أن القيمة الحقيقية تكمن في العمل الصالح واتخاذ الأسباب، لا في النتائج المادية فقط. هذا يزرع في روح المؤمن مناعة حضارية ضد الإحباط، فالمسلم ينمّي مجتمعه، ويبني مؤسساته، ويسعى في نفع الخلق، إرضاءً لربه وقياماً بواجب الاستخلاف الذي أُمر به في قوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا).
ثانياً: أشراط الساعة كمنظومة للوعي بالواقع
تُعد علامات الساعة، وخاصة الصغرى منها، بمثابة «توصيفات تشخيصية» لخلل قيمي أو اجتماعي قد يطرأ على الأمة. فعندما يخبرنا الوحي عن تطاول البنيان، أو ضياع الأمانة، أو تداعي الأمم، فهو لا يسوقها من قبيل الإخبار الغيبي المجرد، بل ليضع المؤمن أمام مسؤولياته الإصلاحية.
- التدافع الحضاري: حين يرى المؤمن تحقق بعض العلامات التي تشير إلى غلبة الماديات، فإن المقصد الشرعي هنا هو «المدافعة» بالقيم الروحية والعدالة.
- الثبات على الحق: في زمن الفتن، يزداد أجر المتمسك بدينه، كما في الحديث: «للعامل منهم أجر خمسين منكم»، مما يجعل من «أشراط الفناء» محفزاً لمضاعفة الجهد التربوي والإصلاحي.
- اليقظة الروحية: إن معرفة اقتراب الساعة تدفع المسلم لترتيب أولوياته، والتركيز على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، استجابة لقوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ).
ثالثاً: البعد النفسي.. الأمل في مواجهة «السيناريوهات العدمية»
في الوقت الذي تروج فيه السينما العالمية والآداب المعاصرة لسيناريوهات «ديستوبيا» سوداوية عن نهاية العالم، يقدم الإسلام رؤية مليئة بالسكينة والرضا. إن الإيمان بأشراط الساعة هو إيمان بضبط الله لسنن الكون، وأن هذا العالم لن ينتهي عبثاً، بل له غاية ومآل. هذه الطمأنينة تمنح المسلم صلابة نفسية تجعله يواجه الأزمات الكبرى بروح البناء لا بروح الانهزام.
إن المقصد من ذكر الفتن والملاحم ليس إيقاع الرعب في القلوب، بل إعدادها لتمحيص الإيمان. فالابتلاء بالشدائد هو وقود الاستخلاف، حيث يقول سبحانه: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). ومن هنا، يصبح انتظار الفرج والعمل له عبادة، ويتحول شعور «قرب النهاية» إلى قوة دافعة لإنجاز المشاريع الكبرى التي تخدم الإنسانية وتورث الأثر الصالح.
رابعاً: التحفيز الحضاري واستعادة التوازن
لقد أدرك علماء الأمة الأوائل أن الحديث عن الساعة هو حديث عن «المصير»، والمصير هو المحرك الأكبر للهمم. لذا، نجد أن التراث الإسلامي الذي صنف في «الفتن وأشراط الساعة» لم يمنع العلماء من الإبداع في الفلك، والطب، والعمارة، والسياسة الشرعية. لقد فهموا أن عمارة الدنيا هي جسر العبور للآخرة.
يمكن تلخيص الأبعاد الحضارية لعلامات الساعة في النقاط التالية:
- تعزيز قيمة الزمن: إدراك أن الوقت محدود يرفع من كفاءة الإنتاج الحضاري.
- إرساء أخلاق الأزمات: تعليم المؤمنين كيف يحافظون على تماسكهم الاجتماعي وتراحمهم حتى في أحلك الظروف.
- التطلع للعدل المطلق: إن العلامات الكبرى (مثل نزول عيسى عليه السلام وخروج المهدي) تزرع اليقين بأن العاقبة للحق، مما يشجع المصلحين على الاستمرار في غرس قيم العدل والخير مهما طال أمد الظلم.
خاتمة: ميثاق العمل المستمر
إن «مِعمار الأمل» الذي يشيده الإسلام وسط أشراط الفناء هو برهان على عظمة هذا الدين وواقعيته. إننا مأمورون بأن نعيش اللحظة بوعي المستخلف، وبصيرة الرائي، وعزيمة البناء. فلا مكان في ديننا لليأس، ولا مساحة للقعود بدعوى أن «الزمان قد فسد»؛ بل كلما ازداد الفساد، عظم أجر الإصلاح، وكلما اقتربت الساعة، تأكد وجوب غرس «الفسيلة».
ختاماً، لنستذكر دائماً أن الله تعالى وصف الساعة بأنها تأتي (بَغْتَةً)، ليس ليفاجئنا بالعذاب، بل لنبقى دائماً على أهبة الاستعداد بالعمل الصالح، والبناء الحضاري، والعمارة المعنوية والمادية، امتثالاً لقوله عز وجل: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

اترك تعليقاً