نحو فقه متحرر من التقليد الأعمى: تأملات في رؤية الإمام ابن القيم

تعد مسألة “التمذهب” والالتزام بمدرسة فقهية واحدة من القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في الفكر الإسلامي. يقدم الإمام ابن القيم الجوزية -رحمه الله- في كتابه “أعلام الموقعين” رؤية نقدية عميقة لهذه الظاهرة، نلخصها في النقاط التالية:

أولاً: نفي الوجوب الشرعي للتمذهب

يرى ابن القيم أنه لا يوجد أي دليل شرعي يُلزم المسلم باتباع مذهب رجل بعينه من علماء الأمة، بحيث يلتزم بكل أقواله ويترك أقوال الآخرين. بل اعتبر أن هذا السلوك:

  • بدعة قبيحة: لم تظهر إلا في عصور متأخرة.
  • مخالفة لمنهج السلف: فلم يقل بهذا الإلزام أحد من أئمة الإسلام المعتبرين.
  • ثانياً: تبرئة الأئمة من دعوى الإلزام

    أكد ابن القيم أن الأئمة الأربعة وغيرهم من فقهاء الأمة كانوا:

  • أعلى رتبة وأعظم قدراً من أن يفرضوا على الناس اتباع آرائهم الشخصية كبديل عن الوحي.
  • أكثر علماً بالله ورسوله من أن يحصروا الحق في اجتهاداتهم البشرية.
  • ثالثاً: نقد حصر المذاهب في الأربعة

    تعجب الإمام ابن القيم من القول بوجوب اتباع واحد من المذاهب الأربعة حصراً، متسائلاً:

  • كيف يُهمل المسلم مذاهب الصحابة والتابعين وتابعي الأئمة، وهي أصول العلم؟
  • لماذا تُعتبر مذاهب آلاف العلماء باطلة أو ميتة، ولا يبقى الحق إلا في مذاهب أربعة أنفس فقط؟
  • هل دعا أحد من هؤلاء الأئمة الأربعة إلى حصر الدين في كلامه أو كلام غيره؟
  • رابعاً: وحدة المصدر وثبات التكليف

    يوضح المقال قاعدة أصولية هامة، وهي أن ما أوجبه الله ورسوله على الصدر الأول من الصحابة والتابعين، هو نفسه ما أوجبه على من جاء بعدهم إلى قيام الساعة:

  • الواجب لا يتغير: التكليف الإلهي واحد لا يتبدل بمرور الزمن.
  • المرونة في التطبيق: الاختلاف الوحيد قد يكون في كيفية الأداء أو القدرة عليه حسب الزمان والمكان والحال، لكن أصل الوجوب يظل مرتبطاً بنصوص الكتاب والسنة لا بأقوال الرجال.

الخاتمة

إن التمذهب كما يراه ابن القيم هو وسيلة للاسترشاد لا قيداً للاتباع، والواجب على المسلم هو البحث عن حكم الله ورسوله، مع تقدير الأئمة والاستفادة من علمهم دون التعصب لمذهب معين أو الانغلاق عليه.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *